المحــــــــروم !!بقلم : أمير شفيق حسانين

بواسطة » الوقت \ التاريخ : عدد المشاهدين : 538 views » طباعة المقالة :

 

أمير شفيق حسانين
مصر

عامر شفيقلم يكتب له القدر أن يتلقي قدراً قيماً من التعليم ، أو أن يحصد باعاً كريماً من سنوات الدراسه ، فلذا لم يكتمل حُلم الصبي بأن يلتحق بالجامعة ، ليصبح – كما تمني – موظفاً كبيراً ، وصاحب وجاهة إجتماعية مشرفة مثل أقرانه الذين أكملوا تعليمهم الجامعي ، ولكن ذهبت الأمنيه الناقصه في مهب الريح العاصف بعد أن ترك الفتي تعليمه الثانوي منذ العام الأول ، حتي دفعت به الظروف أن يصبح فلاحاً ، يُشرف علي أملاكه الزراعية الواسعة ، التي ورثها عن والده ، الذي رحل ، وهو في سن الرابعه .

كانت رعاية الأم ، تقترن بوصاية العم الثري ، علي الصبي القاصر وأخواته ، ، وقد شاءت الظروف ، أن يتربي الصبي تحت سيطرة عمه ، الذي كان قاسي المعامله ، جاف الطباع ، لا يعرف اللين ، فكان يقسو علي الصبي ، وكان ينهره ، ولا يستخدم في معاملته إلا قليلاً من الرفق ، بل كان يغضب من الصبي أكثر من فرحه به ، عندما إكتشف أن شخصية الصبي العدوانيه تتطبع بالمكر الدفين والكُهن المديد ، والميل إلي حب النفس ، وعدم حب الخير للآخرين !!

تمر الأيام ليصبح الصبي شاباً ، ثم يتحرر من وصايه عمه الحازمه ، وتمر السنوات تِباعاً ، فيتزوج ، وبعدها تتجدد لحظات الحسرة وخيبة الأمل ، وتملئان قلب الفلاح المزارع ، كلما تذكر دوافع تسربه من التعليم ، وضياع أمله ، ثم كانت تتراكم أحزانه وتتوهج ، وتبدو وكأنها نار موقده تكاد تحرق عظام صدره ، عندما يغادر بحور شروده ، عائداً للواقع الأليم ، ليجد نفسه ، مجرد فلاح ، يرتدي الصديري وفوقه الجلباب البلدي ، واضعاً الطاقيه الصوف فوق رأسه ، ممتطياً ظهر حماره ، ساحباً بالبهائم إلي حيث عمله بالحقل .

كان الرجل – رغم ثراؤه – يراقب أصحاب الهيئه السوية والمظهر الأنيق ، من زملائه القدامي بالمدرسه ، والذين تخرجوا في الجامعه ، وكم كان يتنهد عندما يراهم يرتدون الملابس الأفرنجي ، والبِدل الكامله ، بعدما تقلدوا المناصب الحيوية، حتي صار منهم المديرون العموم ، ووكلاء الوزارات ، وأيضاً كبار الأطباء والمهندسون ، وكانت تتوسع دائرة الحسره وينفجر بركان الندم في نفس هذا المزارع ، عندما يري الناس تُحيي هؤلاء الوجهاء المتعلمين ، بقدر واسع من الهيبه والإحترام ، وتناديهم بلقب الأستاذ فلان أو حضرة المديرعِلان ، أما هو فلا يقال له إلا يا ” حاج فلان ” ، لأنه لم يحصل علي أي شهادات عليا ، ونحن في مجتمع صارم العادات ، ولا تقبل أعرافه – أبداً – أن يُنادَي أو يُلقب فلاح بالمجتمع المصري بلقب ” أستاذ ” !!!

لم يكن يقتنع الرجل – خائب الرجاء – بأن كل إنسان ، له نصيبه القدري ، بإرادة العليم الخبير، ولم يكن ينظر هذا التعيس بعين الإيمان والرضا ، حتي يري أن الله قد عوَضه بالمال الوفير والكثير من الأولاد ، ورزق أبنائه وبناته بالزيجات الصالحه ، ورزقه – هو – بالأحفاد ، وبارك له في صحته ، إلا أنه كان يغمض عينيه عن أغلي النعم الربانيه ، ويشغل البال بمن تعلموا وترقوا وإرتقوا في المناصب ، مع أن معظم هؤلاء الأشخاص ، قد تخطوا سن الستين وتقاعدوا ، وتركوا كافة مناصبهم ، ومنهم من إنشغل بآلام المرض وسعي لمداواته ، ومنهم من رحل عن الدنيا بمتاعها القليل ، ومع ذلك فكان شبح الحرمان من التعليم ، يستخدم قواه الخارقه ليهاجم عقل وفكر الفلاح المسكين في نومه وفي يقظته ، حتي أن الرجل لم يكن يهدأ هوناً ما ، إلا بإشعال السيجاره ومن ورائها الأخري ، لينفخ مع دخانها الأسود ، هموماً صنعها له شيطانه المارد .

كان الرجل ينساق وراء جهله الأعرج ، ويطاوع سوءة نفسه الماكره ، ويستخدم مخالب عناده ، الملطخه بالدهاء ، ويجيد التلون بالكلام الناعم الذي يخالف أفعاله وتعاملاته مع الناس ، حتي ضجَت الناس منه ، وعرفوا بأن في قلبه مرض وشقاء لايُرجي شفاؤهما ، ثم ازدات زلات الرجل عندما أصبح نماماً ينقل الكلام بين الناس ، فكان يجلس مع هؤلاء ، ليعرف أسرارهم ، ثم يجلس مع غيرهم ليعرف أخبارهم ، ثم يهرول بنقل الأسرار والأخبار بين الجماعتين ، ليحدث الوقيعة والعداوة بينهما ، حتي صار الرجل منبوذاً أينما حلَ وكان !!

كان الرجل يجلس في شُرفة بيته ليتتبع بالنظرات – المطَعمه بالحقد والغيره – كل وجيهٍ وذي مقامٍ ومنصب ، ولم تكن ترتاح سريرته الشيطانيه ، أو يجد طمأنينه زائفة إلا بملازمة المشتغلين بعيوب ومساوئ الغير، وكنت تجده ومن معه ، وهم يجلسون جماعات ، فوق تل من التراب في الطريق ، وأحياناً تشاهدهم مستلقون علي جنوبهم ، ينظرون للمارين هنا وهناك ، غير معتبرين لحق الطريق ، وما له من حرمات .

كنت تتعجب وتدعوك الدهشه ، للنظر في حال هذا الفلاح الذي يحرص أن يفسح للغرباء في المجالس ، بل كان ينتفض واقفاً إحتراماً لهم ، أما الأقربون له قرابة الدم ، فكان يستهون في معاملاتهم ، ويعدهم في نفسه ، من بين أصحاب الشأن الهين ، والمقام القليل ، فلم يكن يبالي بخصومته إياهم واحداً وراء الآخر ، ولم يكن يستدعي شيئاً من الحياء أو يحفظ بضعاً من المعروف عندما يسئ إلي جيرانه ، ويسعي لضررهم ، إرضاءً لهواجس عقله الذي أوشك أن يفقده .

وهاهو حضرة الفلاح الثري ، لا يزال يعاني أوجاعاً نفسيه ، ويسترجي ألقاباً ومناصب فانيه ، ظاناً بأنه خسِر كل شيئ طالما لم يتعلم .. ولعله يهتدي ، ويصنع من التقي ثياباً تزينه ، ويهرول بإصلاح ذات البين ، ثم يشغل القلب واللسان بالباقيات الصالحات التي هي خير ثواباً وأملاً في دار المستقر!!

1

التعليقات :

اكتب تعليق

الاعلام وتحديات التنوع الديني في العراق
هل فكرت إسرائيل في ضرب مصر نوويا؟ وثائق سرية تكشف المستور
“مبادرة لجمع الشمل” في السودان.. والمظاهرات مستمرة
زواج مصري “ملكي”.. ابنة آخر ملوك مصر تدخل عش الزوجية
“قمة الغياب” في بيروت
الشاعرة والإعلامية هويدا ناصيف تكرّم الفائزين في بطولة كأس العالم للمبدعين العرب في لندن
هل تبحثين عن مشروع صغير تستطيعين من خلاله إيجاد فرصة دخل لكي؟
زيارة وفد الاتحاد الدولي لاعلام الاقليات وحقوق الانسان الى ديوان الاوقاف بمناسبة اعياد الميلاد وراس السنه الميلادية
شبكة إعلام المرأه العربية تختار د/ ثريا البدوى أفضل استاذه جامعية فى 2018
البشير: مشاكل السودان الاقتصادية تحتاج لصبر وحكمة
أوامر ملكية سعودية بإعادة تشكيل مجلس الوزراء
“خطة عسكرية روسية” لسحق الغرب بدون رصاصة واحدة
محاضرة عن قانون الاحوال الشخصية بجمعية المرأة العمانية بصحار
لجنة منطقة بيرسفي لاتحاد النساء الاشوري توزع هدايا اعياد الميلاد للأطفال
بوتين يلمح لزواج جديد.. فمن هي الحسناء التي أغوت رئيس روسيا؟
قنبلة “واتساب” الجديدة.. عملة لتحويل الأموال
ترامب يبرر الانسحاب الأميركي المفاجئ من سوريا
دعموش: أصبحنا على مشارف ولادة الحكومة وأهم ما أنجز تثبيت حق السنة المستقلين في التوزير
اطلاق جائزة شيخ الشهداء للإبداع الأدبي 2019
افتتاح معرض ” العيد سوا احلى” برعاية بلدية حارة حريك وحضور النائب فادي علامة
الحاج المجاهد ابو تراب التميمي مجلس الفصائل لن يقف مكتوف الايدي تجاه هكذا جرائم تطال رموز البصرة ورجالاتها المخلصة
ائتلاف الانبار ..اهازيج ودموع ودبكات بمناسبة تحرير مدينة الرمادي.
كاطع الزوبعي : مجلس المفوضين يصادق على منح اجازة تأسيس ثمانية احزاب سياسية
المفتش العام في وزارة الداخليه…. رصد ٤٢٢٤ حاله فساد
الإطاحة بوزير الدفاع البوروندي بعد محاولة انقلاب “فاشلة”
النازحون في خطر
الموانئ العراقية تفتح عطاءات الشركات المتأهلة
تحقيق اقتصادي واستثماري وكان محط اهتمام جماهيري لم نشهده سابقا لمعرض بغداد الدولي بدورته٤٣
تمكنت فرق الدفاع المدني في مركز دفاع مدني بدرة
خلال استقباله كتلة المواطن النيابية… رئيس البرلمان: الإصلاح هو الهدف الاساسي من التغيير ومجلس النواب داعم له استقبل رئيس مجلس النواب الدكتور سليم الجبوري، مساء أمس الاثنين، وفدا رفيعا
جمعية الصحفيين العمانية تنظم محاضرة “هبوط أسعار النفط .. الأسباب والحلول “
صحتك أفضل حينما تأكل بصوابعك
السلطان يعود إلى أرض الوطن
البيت الأبيض – واشنطن… مكتب نائب الرئيس الأمريكي موجز المكالمة الهاتفية لنائب الرئيس الأمريكي جو بايدن مع رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي
الفلاحي…… ادراج ملف اهوار واثار جنوب العراق في اللائحة العالمية خطوة مهمة لمحافظة ذي قار
مكانة المرأة الكوردستانية ودورها قبل وبعد الانتفاضة
قوات الامن الجزائرية تلقي القبض على راس الفتنه
الذكرى السبعون لانشاء الأمم المتحدة
زيارة السفاره البريطانية
“بلدة طيبة ورب غفور”
استفتاءات

رأيك بتصميم الموقع

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
تابعونا على الفيس بوك