قبلة الصفصاف

بواسطة » الوقت \ التاريخ : عدد المشاهدين : 773 views » طباعة المقالة :

 

الاعلامية د.مي مراد
بيروت – لبنان
بقلم جوزيف شماس

16082_101236550043856_1748992301_nمال الظل جانباً، وتسربت أشعة الشمس إلى غرفتها؛ لتوقظها من نومها، فمالت على جنبها وحضنت أحلامها وأسرار عواطفها التي ولّدت في قلبها ساعات من الهدوء والسكينة.

في تلك اللحظات من الترقب تمنت لو أن الحياة شعاع طيف عابر أو ومضة نور؛ كيلا يعكّر صفاء ذهنها أيّ زائر. لكن عصافير الجنان حطّت على شرفة غرفتها تنتظر لتلقي عليها تحية الصباح.

نهضت من سريرها متثاقلة الخطا. توجهت إلى النافذة وباعدت بين درفتيها، وانتصبت شامخة لتملأ رئتيها من هواء ربيع محمّل بعطر الورود، فأحست بأن لنسيم الربيع سواعد خفية تروم احتضانها، وشفاهاً شغوفة لتقبيلها، فأغمضت عينيها وغفت على صدره وغابت حالمة كما تحلم كل الفتيات.

هدوء مهيب وخطوات قادمة توقظها لتحقق لها حلمها حين لمحت المهندس فادي ماراً بالقرب من نافذتها. نظرت إليه ونظر إليها، وما إن ألقى عليها تحية الصباح حتى تلبّسها الخجل وغابت عن ذاكرتها الكلمات، لكنها تجرأت وخطفت من ثوب حيائها ابتسامة رقيقة لطيفة، وأهدتها لزائر الصباح القادم لتوه من قلب الأمل، واستدارت لتختبئ عن عينيه وعن عيون فراشات ضاحكة ملونة منثورة على جبهة الأثير.

ناداها: يا هند يا حبيبة القلب!!

فاستمالت روحها لسماع أصوات أجراس وداده، ورمقته بنظرة عطوفة، فرأت نظرات صادقة ترشفها، ويداً ترمي إليها برسالة مدوّن على أسطرها كلمات شغوفة بما يصبو إليه.

ارتعشت أضلعها وفاحت أزاهير أنوثتها، وتسارعت دقات قلبها وازداد حياؤها جمالاً، وأحست بأن رسالته قد تخطّت كل الحواجز والأعراف، فأسرعت إلى إسدال ستائر نافذة غرفتها وتوارت خلفها. وبيد مرتجفة تناولت رسالته التائهة في فضاءات غرفتها. قرأتها مرات ومرات وامتلأ قلبها فرحاً وحيرة، وقبّلتها وخبأتها تحت وسادتها وأطبقت أجفانها على أريج عطرها، وغفت هنيهات حالمة بالأمل قبل أن تصحو على صوت والدتها تناديها وتطرق باب غرفتها بأنامل خائفة من أن تصحو طيور العشق على أنغامها.

لملمت أنفاسها المتدرجة واستوت في جلستها على حافة السرير، وهي حريصة على ألا تكتشف أمها سرّ شرودها.

لحظات وتجلس الأم بقرب ابنتها، ترمقها وتعانقها وتمسّد شعرها بحنوّ، وتمازحها قائلة:

– ما بك يا ابنتي.. أشعر كأن مزاجك ليس على ما يرام؟.

وبعد صمت اشتد قوامه وتصلّب، تابعت والدتها قائلة:

– صحيح إنك كبرت وتجاوزت مرحلة صعبة من عمرك بأمان، وبرغم ذلك فمازلت خائفة عليك.

– مم أنت خائفة عليّ؟

– من غدر الزمان، برغم أن إحساس الأم يقول لي بأن هناك أملاً ينظر إليك بطرف خفي!.

– عن أي زمان تتحدثين يا أمي؟ وهأنا قد تخرجت في الجامعة وسأجد عملاً يغني وجودي، وسنّة الحياة قادمة، وهي الحكم.

– لا اعتراض على سنّة الحياة يا ابنتي، لكن جمالها يكمن حين تكون متوافقة مع الواقع وطبيعة المجتمع.

– أليس الإنسان هو الواقع بحد ذاته؟ وأن الله خلق الإنسان ليبني المجتمع، ويؤطره بمجموعة من الأسس والقوانين؛ لتغتني حياة الفرد بالحب والسعادة والألفة، وبما يتناسب وحرية الفرد ذاته كإنسان له كيانه ووجوده ضمن الإطار العام للمجتمع الإنساني؟

– هذا صحيح، لكن هناك قوانين وتشريعات قد أمرنا بها الله سبحانه وتعالى، وأبلغنا إياها عن طريق الرسل والأنبياء لنتقيد بها.

– نعم يا والدتي، ما أسعد الإنسان المؤمن بوحدانية الله وعدله، والمؤمن يدرك جيداً المحرّمات التي أمرنا الرب بالابتعاد عنها، مثل الكذب والسرقة والزنا … إلخ، وذلك لتعم المحبة ويسود السلام والعدل بين أبناء البشر دون استثناء. ولقد ترك الأمور الدنيوية وتنظيم العلاقات الاجتماعية؛ ليفكر بها الإنسان ويجتهد في تطويرها، وإلا فلماذا أمرنا بالشورى فيما بيننا؟

– يا ابنتي أنا أم، وقلب الأم مهما تجرأ يبقى خائفاً على أولاده. وما أعرفه جيداً أن المجتمع المتخلّف الممزّق قبلياً وطائفياً يسحق نساءه تحت أثقال الشرف والعفة التي يفرضها، وأن رياح العادات والتقاليد إن هبّت تكون ساخنة قوية، وعويلها يطغى على كل أصوات الحق وقدسية الإنسان وحريته، ذكراً كان أم أنثى .. لذا ..

فجأة سمعتا صوت الأب يناديهما: أين أنتما؟ لقد حان وقت الإفطار.

أسرعت الأم إلى زوجها ولحقت بها ابنتها، وتاهتا في ترتيب أزمنة يوم كسابقه، إلى أن غاب نهاره في تجاويف الزمن الماضي.

مع غروب الشمس بدأت براكين الليل تقذف بحممها على جبهة الكون لتظلله بثوبها الأسود، إلا أن القمر أبى أن يستسلم لجبروت الظلمة، فحرر قطعان النجوم لتغزو مروج السماء، وأرسل حزمة من أشعة نوره؛ لتحلّ زائرة على أبي هند وأفراد أسرته المجتمعين في صحن الدار.

في تلك الساعة من ساعات الخلق الجميل، كان أبو هند جالساً قبالة التلفاز يسمع الأخبار الملطخة بكل أجناس الدماء المنصبّة من أشلاء جثث أناس منثورة في كل أنحاء المعمورة، فانتابه إحساس بائس يكاد يجرح قلبه ويدميه، فمال انتباهه وجنحت أفكاره إلى آخر حوار دار بينه وبين زوجته حين قال لها بصراخ:

– افهمي يا امرأة يا أيتها المدرّسة المربية، أنا إنسان متمسك بالعادات والتقاليد وبأقوال آبائي وأجدادي وبإيمانهم المطلق بما كانوا يعتقدون، لذا لا يمكن أن أوافق على زواج ابنتنا من المهندس فادي؛ لأن إيمان أهله وقومه غير مكتمل.

– يا أبا هند أنت الإنسان المثقف الواعي تقول هذا؟ فما الذي تركته للناس البسطاء والجهلاء؟.

– في مثل هذه الأمور لا فرق بين المثقف والجاهل، فالموقف واحد لكليهما عند اتخاذ القرار.

– كيف.. وضّحْ لي الأمر؟

– إنك متعلّمة، فكيف أشرح لك الأمر؟ وأنت امرأة مثل أقرانك، عواطفكن تسبق عقولكن!!

في تلك الساعة الخلاقة كانت الأم متكورة على الأريكة القابعة تحت شجرة التفاح، تتذكر الأشهر الماضية التي ابتلعت أيامها بنهم ومضت تباعاً دون توقف، جارفة معها كل الحوارات التي دارت بين أفراد الأسرة ولم تنته إلى قرار.

كان خوفها على ابنتها يشتد أواره برغم محاولاتها المتكررة في إقناعها بالتخلي عن فكرة الارتباط بحبيبها. وتذكرت كيف ادمعت عيناها حين صارحتها ابنتها بأن أنامل العشق قد بدأت تداعب وسادتها، وأن عواطف جياشة قد بدأت تلازم وحدتها، وأن فكرة الارتباط بمن تحب قد مدّت جذورها في تربة أنفاسها، وأن نداء الحب المولود بينها وبينه لا يعرف قيمة نفسه إلا في الآخر.

فتجرأت وارتشفت قوة من نور القمر، واستدارت نحو زوجها وسألته:

– ألم يحنّ قلبك على ابنتنا فتوافق على زواجها؟

– اسكتي يا امرأة، ولا تناقشيني بعد اليوم بأمر زواج هند من فادي، فجوابي هو الرفض، وإلا سأغضب عليها في الدنيا وفي الآخرة.

أدمعت عيناها حزناً عليه؛ لأنها رأته في تلك اللحظة عبارة عن أشلاء ممزقة، مهزوماً في داخله، وهو يرد عليها بصراخ يفضح مكنونات ذاته، فيكشف عن ضعفه.

حينها مسحت دموعها وهمّت بالرحيل إلى غرفتها، وهي تقول له:

– بإمكانك أن تغضب عليها في الدنيا، أما في الآخرة فالأمر بيد رب العالمين خالق الجميع. ودخلت غرفتها وصدرها يعلو ويهبط على أمواج من الحزن تجتاح قلبها.

واختفت هند في جوف فراشها، هاربة من القلق الذي بدأ يزعزع سكينتها، وقد امتلأت روحها بصراخ وحوارات لا نهاية لها، فأحست بأنها تائهة في صحراء ملأى ببحيرات من السراب، فلملمت دموعها بحواف أهدابها، وغفت بعد أن قرأت آخر كلمات رسالته:

“انتظريني يوم غد على ضفاف النهر في المكان المعهود، عند الغروب، وقبل ذوبان آخر ذرات نور النهار في مياه الغسق؛ لنرحل معاً إلى حيث يجب أن نكون”.

 

انتصف الليل وجلس فادي وراء ظلمته يستجدي هدوء عواطفه، وسكينة تنهداته المنسكبة على خدود الزمن لوعة واشتياقاً للقاء حبيبته.

لكن أشباح الظلام لم تفارقه، فتعبت أجفانه وكلّت مفاصله، ولم يعد بمقدوره تحمّل عذابات الأرق، فاتكأ على وسادته وأغمض أجفانه؛ لعل النعاس يقترب منه في غفلة من حراس الليل، ويلامس حواسه بأطراف أنامله.

ومع قدوم الفجر صحا على حلم جميل، فهبّ ماشياً بخطوات خفيفة نحو باب الدار، وجلس ليراقب كيف ترتجف السكينة مع مرور نسيمات هواء منعش، وهي تذيع بشائر صباح ذاك اليوم الواعد.

وما إن انتصف النهار وبدأ يميل جانحاً نحو الفلول، حتى مشى الهوينا إلى ضفاف النهر؛ ليستمتع بسماع خرير جريان مياهه السائرة نحو الحقول، وبدلال أغصان الصفصاف المتدلية على أطراف النهر، وكأنها تروم الرحيل مع مياهه العذبة.

لكنه ما إن وصل النهر حتى رأى أغصان الصفصاف وقد انكفأت عن قرارها، واستمالت حنواً تلامس خدود النهر مستمتعة بلذة العناق، فاستسلم لفيء شجرة، حائكاً في ظلالها نسيج أحلامه بانتظار هند.  

1

التعليقات :

اكتب تعليق

افتتاح مهرجان الزهور والحرف في مدينة الشمس بعلبك على بركة رأس العين
أنطلآق المؤتمر العاشر لرابطة المرآة
قائدات سوريات في مركز “القيادة النسائية في العالم العربي”
لستم أقلية….
أنطلاق ((معهد لدراسات التنوع في العراق))
اعلام الأقليات/ منظمة دعم الاعلام المستقل الIMS
كيف تواجه أمهات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ضغوطات الحياة
“العجمية” تواجه مخاوف أمهات ذوي الاحتياجات الخاصة
م / تخصيص مبالغ مالية للعوائل النازحة…
السبب الأكبر لهجرة الأقليات في العراق الكاردينال لويس روفائيل ساكو
كلية الفارابي الجامعة تقيم ندوة علمية بعنوان ( صور الارهاب في وسائل الاتصال)
علوم غيّبتها الحواضر واستحضرها غرب المحافل العلمية وشرقها
أيها الراقصون أمام اللجان
اطلاق مهرجان دمشق الدولي للخيول العربية في العاصمة
جمعية الجواد العربي الاصيل تطلق مهرجانها ضمن فعاليات معرض دمشق الدولي
قصيدة الشاعرة د.مي مراد التي القتها في معرض دمشق الدولي ضمن مهرجان الخيول العربية
طاولة الآتحاد الآوربي المستديرة
توقيع اتفاقية بين جائزة Elite ومركزACT
جميعنا نغرد خارج السرب
روضات العدالة تسابق الألم وصولا إلى خط الأمل
شابّة يزيدية تشعل الأمل في قلوب ضحايا داعش
الروائية علا حسان: الإنترنت أخرج الأدب من عزلة النخبة إلى فضاء العامة
ما_نعطش…نقابة المعلمين تضع بصمتها بقافلة من المياه لأهل نينوى استجابة لدعوة الدكتور محمد إقبال
النائبة نجيبة نجيب تلتقي مواطني بدهوك
محافظة بغداد : انطلاق اسطولا من الأليات لتقديم الخدمات في الزيارة الرجبية
مجلس النواب يؤجل جلسته الى الثلاثاء من اجل مشاركة اوسع
استمرار مشروع تقدم GSP الخاصة بتدريب دوائر النظام المركزي المنقوله تخصيصاتها الى المحافظات
البريد العرقي يطلق موقعا الكترونيا جديدا
13 شركة هندية تبحث فرص الاستـثـمار فـي السـلطـنة
مهدي حوماني الرسّام اللبناني الذي ولد فنانًا بالفطرة
فوزي الاتروشي/ الجواهري رمز للوطنية العراقية
المرشح الفائز محمد شياع السوداني يطالب مفوضية الانتخابات بتبيان الحقائق
بيان الرسمي لحركة اﻻبدال
حمودي / يدعو للقراءة ويؤكد ان الوعي هو الحصانة الأقوى للمجتمعات
“الصندوق الأسود” للطائرة الإندونيسية المنكوبة يكشف سبب تحطمها
مدير هيئة الحشد الشعبي في بابل المجاهد الحاج حسن فدعم الجنابي يستقبل المجاهد الحاج معين الكاظمي
رابطة الإعلاميين الشباب تطالب وزارة الداخلية بالإفراج عن مراسل قناة الشرقية
ديوان الحسبة يفرض على نساء الموصل تقديم مصوغاتهم الذهبية دعماً لتمويله
يوم من أجل ميسان أجمل
نقيب المعلمين في محافظة البصرة يزور قسم اﻷعداد والتدريب
استفتاءات

رأيك بتصميم الموقع

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
تابعونا على الفيس بوك