قبلة الصفصاف

بواسطة » الوقت \ التاريخ : عدد المشاهدين : 649 views » طباعة المقالة :

 

الاعلامية د.مي مراد
بيروت – لبنان
بقلم جوزيف شماس

16082_101236550043856_1748992301_nمال الظل جانباً، وتسربت أشعة الشمس إلى غرفتها؛ لتوقظها من نومها، فمالت على جنبها وحضنت أحلامها وأسرار عواطفها التي ولّدت في قلبها ساعات من الهدوء والسكينة.

في تلك اللحظات من الترقب تمنت لو أن الحياة شعاع طيف عابر أو ومضة نور؛ كيلا يعكّر صفاء ذهنها أيّ زائر. لكن عصافير الجنان حطّت على شرفة غرفتها تنتظر لتلقي عليها تحية الصباح.

نهضت من سريرها متثاقلة الخطا. توجهت إلى النافذة وباعدت بين درفتيها، وانتصبت شامخة لتملأ رئتيها من هواء ربيع محمّل بعطر الورود، فأحست بأن لنسيم الربيع سواعد خفية تروم احتضانها، وشفاهاً شغوفة لتقبيلها، فأغمضت عينيها وغفت على صدره وغابت حالمة كما تحلم كل الفتيات.

هدوء مهيب وخطوات قادمة توقظها لتحقق لها حلمها حين لمحت المهندس فادي ماراً بالقرب من نافذتها. نظرت إليه ونظر إليها، وما إن ألقى عليها تحية الصباح حتى تلبّسها الخجل وغابت عن ذاكرتها الكلمات، لكنها تجرأت وخطفت من ثوب حيائها ابتسامة رقيقة لطيفة، وأهدتها لزائر الصباح القادم لتوه من قلب الأمل، واستدارت لتختبئ عن عينيه وعن عيون فراشات ضاحكة ملونة منثورة على جبهة الأثير.

ناداها: يا هند يا حبيبة القلب!!

فاستمالت روحها لسماع أصوات أجراس وداده، ورمقته بنظرة عطوفة، فرأت نظرات صادقة ترشفها، ويداً ترمي إليها برسالة مدوّن على أسطرها كلمات شغوفة بما يصبو إليه.

ارتعشت أضلعها وفاحت أزاهير أنوثتها، وتسارعت دقات قلبها وازداد حياؤها جمالاً، وأحست بأن رسالته قد تخطّت كل الحواجز والأعراف، فأسرعت إلى إسدال ستائر نافذة غرفتها وتوارت خلفها. وبيد مرتجفة تناولت رسالته التائهة في فضاءات غرفتها. قرأتها مرات ومرات وامتلأ قلبها فرحاً وحيرة، وقبّلتها وخبأتها تحت وسادتها وأطبقت أجفانها على أريج عطرها، وغفت هنيهات حالمة بالأمل قبل أن تصحو على صوت والدتها تناديها وتطرق باب غرفتها بأنامل خائفة من أن تصحو طيور العشق على أنغامها.

لملمت أنفاسها المتدرجة واستوت في جلستها على حافة السرير، وهي حريصة على ألا تكتشف أمها سرّ شرودها.

لحظات وتجلس الأم بقرب ابنتها، ترمقها وتعانقها وتمسّد شعرها بحنوّ، وتمازحها قائلة:

– ما بك يا ابنتي.. أشعر كأن مزاجك ليس على ما يرام؟.

وبعد صمت اشتد قوامه وتصلّب، تابعت والدتها قائلة:

– صحيح إنك كبرت وتجاوزت مرحلة صعبة من عمرك بأمان، وبرغم ذلك فمازلت خائفة عليك.

– مم أنت خائفة عليّ؟

– من غدر الزمان، برغم أن إحساس الأم يقول لي بأن هناك أملاً ينظر إليك بطرف خفي!.

– عن أي زمان تتحدثين يا أمي؟ وهأنا قد تخرجت في الجامعة وسأجد عملاً يغني وجودي، وسنّة الحياة قادمة، وهي الحكم.

– لا اعتراض على سنّة الحياة يا ابنتي، لكن جمالها يكمن حين تكون متوافقة مع الواقع وطبيعة المجتمع.

– أليس الإنسان هو الواقع بحد ذاته؟ وأن الله خلق الإنسان ليبني المجتمع، ويؤطره بمجموعة من الأسس والقوانين؛ لتغتني حياة الفرد بالحب والسعادة والألفة، وبما يتناسب وحرية الفرد ذاته كإنسان له كيانه ووجوده ضمن الإطار العام للمجتمع الإنساني؟

– هذا صحيح، لكن هناك قوانين وتشريعات قد أمرنا بها الله سبحانه وتعالى، وأبلغنا إياها عن طريق الرسل والأنبياء لنتقيد بها.

– نعم يا والدتي، ما أسعد الإنسان المؤمن بوحدانية الله وعدله، والمؤمن يدرك جيداً المحرّمات التي أمرنا الرب بالابتعاد عنها، مثل الكذب والسرقة والزنا … إلخ، وذلك لتعم المحبة ويسود السلام والعدل بين أبناء البشر دون استثناء. ولقد ترك الأمور الدنيوية وتنظيم العلاقات الاجتماعية؛ ليفكر بها الإنسان ويجتهد في تطويرها، وإلا فلماذا أمرنا بالشورى فيما بيننا؟

– يا ابنتي أنا أم، وقلب الأم مهما تجرأ يبقى خائفاً على أولاده. وما أعرفه جيداً أن المجتمع المتخلّف الممزّق قبلياً وطائفياً يسحق نساءه تحت أثقال الشرف والعفة التي يفرضها، وأن رياح العادات والتقاليد إن هبّت تكون ساخنة قوية، وعويلها يطغى على كل أصوات الحق وقدسية الإنسان وحريته، ذكراً كان أم أنثى .. لذا ..

فجأة سمعتا صوت الأب يناديهما: أين أنتما؟ لقد حان وقت الإفطار.

أسرعت الأم إلى زوجها ولحقت بها ابنتها، وتاهتا في ترتيب أزمنة يوم كسابقه، إلى أن غاب نهاره في تجاويف الزمن الماضي.

مع غروب الشمس بدأت براكين الليل تقذف بحممها على جبهة الكون لتظلله بثوبها الأسود، إلا أن القمر أبى أن يستسلم لجبروت الظلمة، فحرر قطعان النجوم لتغزو مروج السماء، وأرسل حزمة من أشعة نوره؛ لتحلّ زائرة على أبي هند وأفراد أسرته المجتمعين في صحن الدار.

في تلك الساعة من ساعات الخلق الجميل، كان أبو هند جالساً قبالة التلفاز يسمع الأخبار الملطخة بكل أجناس الدماء المنصبّة من أشلاء جثث أناس منثورة في كل أنحاء المعمورة، فانتابه إحساس بائس يكاد يجرح قلبه ويدميه، فمال انتباهه وجنحت أفكاره إلى آخر حوار دار بينه وبين زوجته حين قال لها بصراخ:

– افهمي يا امرأة يا أيتها المدرّسة المربية، أنا إنسان متمسك بالعادات والتقاليد وبأقوال آبائي وأجدادي وبإيمانهم المطلق بما كانوا يعتقدون، لذا لا يمكن أن أوافق على زواج ابنتنا من المهندس فادي؛ لأن إيمان أهله وقومه غير مكتمل.

– يا أبا هند أنت الإنسان المثقف الواعي تقول هذا؟ فما الذي تركته للناس البسطاء والجهلاء؟.

– في مثل هذه الأمور لا فرق بين المثقف والجاهل، فالموقف واحد لكليهما عند اتخاذ القرار.

– كيف.. وضّحْ لي الأمر؟

– إنك متعلّمة، فكيف أشرح لك الأمر؟ وأنت امرأة مثل أقرانك، عواطفكن تسبق عقولكن!!

في تلك الساعة الخلاقة كانت الأم متكورة على الأريكة القابعة تحت شجرة التفاح، تتذكر الأشهر الماضية التي ابتلعت أيامها بنهم ومضت تباعاً دون توقف، جارفة معها كل الحوارات التي دارت بين أفراد الأسرة ولم تنته إلى قرار.

كان خوفها على ابنتها يشتد أواره برغم محاولاتها المتكررة في إقناعها بالتخلي عن فكرة الارتباط بحبيبها. وتذكرت كيف ادمعت عيناها حين صارحتها ابنتها بأن أنامل العشق قد بدأت تداعب وسادتها، وأن عواطف جياشة قد بدأت تلازم وحدتها، وأن فكرة الارتباط بمن تحب قد مدّت جذورها في تربة أنفاسها، وأن نداء الحب المولود بينها وبينه لا يعرف قيمة نفسه إلا في الآخر.

فتجرأت وارتشفت قوة من نور القمر، واستدارت نحو زوجها وسألته:

– ألم يحنّ قلبك على ابنتنا فتوافق على زواجها؟

– اسكتي يا امرأة، ولا تناقشيني بعد اليوم بأمر زواج هند من فادي، فجوابي هو الرفض، وإلا سأغضب عليها في الدنيا وفي الآخرة.

أدمعت عيناها حزناً عليه؛ لأنها رأته في تلك اللحظة عبارة عن أشلاء ممزقة، مهزوماً في داخله، وهو يرد عليها بصراخ يفضح مكنونات ذاته، فيكشف عن ضعفه.

حينها مسحت دموعها وهمّت بالرحيل إلى غرفتها، وهي تقول له:

– بإمكانك أن تغضب عليها في الدنيا، أما في الآخرة فالأمر بيد رب العالمين خالق الجميع. ودخلت غرفتها وصدرها يعلو ويهبط على أمواج من الحزن تجتاح قلبها.

واختفت هند في جوف فراشها، هاربة من القلق الذي بدأ يزعزع سكينتها، وقد امتلأت روحها بصراخ وحوارات لا نهاية لها، فأحست بأنها تائهة في صحراء ملأى ببحيرات من السراب، فلملمت دموعها بحواف أهدابها، وغفت بعد أن قرأت آخر كلمات رسالته:

“انتظريني يوم غد على ضفاف النهر في المكان المعهود، عند الغروب، وقبل ذوبان آخر ذرات نور النهار في مياه الغسق؛ لنرحل معاً إلى حيث يجب أن نكون”.

 

انتصف الليل وجلس فادي وراء ظلمته يستجدي هدوء عواطفه، وسكينة تنهداته المنسكبة على خدود الزمن لوعة واشتياقاً للقاء حبيبته.

لكن أشباح الظلام لم تفارقه، فتعبت أجفانه وكلّت مفاصله، ولم يعد بمقدوره تحمّل عذابات الأرق، فاتكأ على وسادته وأغمض أجفانه؛ لعل النعاس يقترب منه في غفلة من حراس الليل، ويلامس حواسه بأطراف أنامله.

ومع قدوم الفجر صحا على حلم جميل، فهبّ ماشياً بخطوات خفيفة نحو باب الدار، وجلس ليراقب كيف ترتجف السكينة مع مرور نسيمات هواء منعش، وهي تذيع بشائر صباح ذاك اليوم الواعد.

وما إن انتصف النهار وبدأ يميل جانحاً نحو الفلول، حتى مشى الهوينا إلى ضفاف النهر؛ ليستمتع بسماع خرير جريان مياهه السائرة نحو الحقول، وبدلال أغصان الصفصاف المتدلية على أطراف النهر، وكأنها تروم الرحيل مع مياهه العذبة.

لكنه ما إن وصل النهر حتى رأى أغصان الصفصاف وقد انكفأت عن قرارها، واستمالت حنواً تلامس خدود النهر مستمتعة بلذة العناق، فاستسلم لفيء شجرة، حائكاً في ظلالها نسيج أحلامه بانتظار هند.  

1

التعليقات :

اكتب تعليق

الآرث المسيحية في الذاكرة
خرير الماء
بين الترشيح للبرلمان او التنافس على المنصب
المرجع الخالصي يدعو الشعب العراقي لتخليص البلد من فتنة العملية السياسية التي رسمها الاحتلال
مربي الأجيال يحتضن التلاميذ المشاركين في فعاليات مهرجانها الربيعي
الاعلاميات والمفوضية يعلنان نتائج استطلاع ترشيح المراة للانتخابات والنتائج تعكس وعيا مجتمعيا باهمية المشاركة وتراجع بغداد مدنيا وتقدم البصرة
(بالحب والحنان نرتقي باطفال التوحد في العراق) أحتفالية في دار الازياء العراقية
الممثل الأممي الخاص يُدين الهجوم الإرهابي الجبان في هيت
الذكرى ال38 لتهجير الكورد الفيليه
ضبط مواد مخدرة في منفذ الشيب الحدودي
مكتب المفتش العام لوزارة التربية ينجز تقريره السنوي لعام ٢١٠٧
محافظة بغداد : انطلاق اسطولا من الأليات لتقديم الخدمات في الزيارة الرجبية
ضبط مواد مخدرة في منفذي زرباطية والشيب
الخطوط الجوية العراقية تعلن نقلها (16،222) معتمر للديار المقدسة
الكمارك … ضبط مسافر ايراني بحوزته مادة مخدرة (الكرستال )
المرجع الخالصي: اغلب الشعب العراقي الآن ضد الانتخابات وضد العملية السياسية المزيفة.
موظفو دار ثقافة الاطفال يحتفون بتسنم منصب مديرها 03/4/2018 2:06 بغداد / نضال الموسوي 3/4/2018
مفوضية ميسان تعقد ورشة تثقيفية لممثلي الاحزاب والمنظمات حول نظام الحملات الانتخابية و توزيع المقاعد
بلدية النجف الاشرف : المباشرة قريباً بتأهيل ثلاث شوارع رئيسية في المدينة
رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي يتوجه الى اليابان  
رئيس كتلة الدعوة النيابية يعرب عن “اسفه” لعدم احترام رأي الكتلة في ترشيح نائب يمثلها داخل اللجنة الثمانية التي شكلها التحالف الوطني
العامري في بيانة الى اهالي الفلوجة
محافظ بغــداد يجري زيارة الى جرحى القوات الامنيـة والحشد الشعبي في مستشفيات العاصمة بغداد للاطلاع على واقع الخدمات الطبية المقدمة لهم
الشاعره العراقية سلمى حربه زوايــــا الرئــــات ..
بغداد تودع عدد من شهدائها اﻻبرياء
لجنة الثقافة والاعلام تستضيف رئيسي هيئتي الاثاروالتراث السياحية
منظمة الدرع العالمية لحماية حقوق وحرية المواطن تحث المجتمع الدولي الى ادانة ومعاقبة السينما الهوليودية
ليلى الخفاجي:تشريع قانون مجلس الخدمة الاتحادي يعتبر احد اعمدة بناء دولة مؤسسات
رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي يؤكد اننا نقاتل في جبهات متعددة عسكرية واقتصادية وضد الفساد ونصمد وننتصر
رئيس اللجنة القانونية محمود الحسن يلتقي ممثل المفوض السامي لحقوق الانسان ووفد الامم المتحدة UNAMI
انطلاق فعاليات مهرجان صلالة هذا العام بالتزامن مع يوم النهضة
إحياء مهرجان ( لحن الولاء )الشعري في لندن
الاستاذ محمود محمد لبيب محمد الصغر مرشح الشباب في انتخابات مصر دائرة الأقصر
رئيس ديوان الوقف السني الشيخ عبد اللطيف الهميم يكرم طلبة أصول الدين في كلية الامام/ فرع ديالى
البدري: إبعاد القضاة الفاسدين سيعيد هيبة القانون إلى البلاد
محافظ الانبار يجهز مقاتلي الحشد العشائري بالوجبة الأولى من سيارات بيك آب بالتعاون مع الشركة العامة للصناعات الهيدروليكية
تنفيذ أكبر عملية تشويش على الاتصالات اللاسلكية لـ”داعش” في الموصل
صندوق دعم المراه
في بادرة الاولى من نوعها … سجن الناصرية يوزع أكثر من 200 سلة غذائية
عاجل: قطعات الشرطة الاتحادية في محور جنوب الموصل تحرر قرية طويبة غرب الشورة
استفتاءات

رأيك بتصميم الموقع

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
تابعونا على الفيس بوك