الكفاءات السورية الطاقات المستنزفة بين التهجير الطوعي والقسري

بواسطة » الوقت \ التاريخ : عدد المشاهدين : 557 views » طباعة المقالة :

 

image
د.سنان علي علي ديب
الكفاءات السورية الطاقات المستنزفة بين التهجير الطوعي والقسري
يعد تناول موضوع واقع الكفاءات العلمية من أهم المواضيع الرئيسية التي تتطلب دراسة مستمرة لجميع البلدان المتطورة و النامية و لكن الضرورة و الخصوصية التي تتمتع بها البلدان النامية من حيث الحاجة الماسة لهذه الكفاءات من جهة و من حيث النهب المستمر لهذه الكفاءات من قبل الدول الغربية سواء عن طريق الترغيب أو الترهيب من أجل حرمان بلدانهم الأصلية من مهاراتهم و خبرتهم و كفاءاتهم بالشكل الذي يعرقل إمكانية تحقيق التنمية المستقلة و المتوازنة , و كذلك الاستفادة منهم في استمرارية التفوق التنموي في كافة المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية , حيث أنهم يستثمرونهم في حين أن بلدانهم أنفقت المليارات من أجل إيصالهم إلى ما هم عليه من خبرة و معرفة و سلوكية , و تؤدي هذه العملية إلى آثار سلبية كبيرة على التنمية بشكل عام و التنمية الاقتصادية و الاجتماعية خصوصاً , فهذه العملية انتقائية اصطفائية لذوي المهارات و الكفاءات الفاعلة و القادرة على تطوير الاقتصاد و على تنمية الموارد البشرية , و بالتالي فإن هذه العملية تمثل هدراً كبيرا للموارد البشرية العالية الكفاءة و تعرف منظمة اليونسكو ظاهرة هجرة الكفاءات الدولية بأنها نوع شاذ من أنواع التبادل العلمي بين الدول يتميز بالتدفق في اتجاه واحد هو اتجاه الدول الأكثر تقدما من الدول الأقل تقدما و هو ما أطلق عليه البعض النقل العكسي للتكنولوجيا حيث أن هذه الظاهرة تمثل استلابا للفئة المتميزة و القادرة على تطوير الإنتاج و التي تعد أهم عناصر الإنتاج ألا وهو العنصر البشري بكل ما يحمله من معارف و مهارات و تقنيات و التي يتم توظيفها و الاستفادة منها في معامل و مراكز أبحاث و جامعات و مدارس الدول المتقدمة بما يساعد على تطوير التكنولوجيا القائمة في تلك الدول و حجب معظمها عن الدول الأقل تقدما , هذا الأمر الذي يؤدي إلى تكريس تخلف الدول الأقل نموا و تحقيق منافع كبيرة للدول المتقدمة.
و لكن يمكن أن نقول من المنطقي أن يندفع أي طرف لتحقيق مصالحه بالوسائل التي يراها مناسبة و لكن على الطرف المتضرر أن يحاول المحافظة على كفاءاته و تهيئة الظروف المناسبة لاستثمارها الاستثمار الصحيح , و قد ثبت بالمطلق عبر التراكم التاريخي و الحضاري أن ثروات الأمم لا تقاس بالثروات الطبيعية التي وهبها الله للبلدان أو بالثروات المالية التي قد تتبخر في أية لحظة , و إنما ثروات الشعوب الحقيقية تكمن في مقدار ما تملكه من الموارد البشرية و مقدار ما تستغله من هذه الموارد عن طريق التنشئة السليمة و الاستغلال و الاستخدام الصحيح عن طريق تأمين جميع الظروف الصحية و الصحيحة لهذه الموارد فلا يغفل على أي منا ما تتطلبه عمليات تحقيق التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية من توافر موارد بشرية مؤهلة و مدربة و ذلك من اجل تكوين ثروة بشرية قادرة على اكتشاف موارد مجتمعها , و استغلالها الاستغلال الأمثل لزيادة الإنتاج و تحصيل مستوى عالٍ من الرفاه الاقتصادي و الاجتماعي للسكان ,
و هناك معيار مهم عن كفاءة الموارد البشرية و هو مقدار حجم الكفاءات و الخبرات و العقول من حجم هذه الموارد و مقدار التنوع في الاختصاصات التي تملكها هذه الكوادر سواء في المجالات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الفكرية , و مقدار الفراسة التي تملكها في استشفاف المستقبل و مقدار المرآة التي تجعلهم يقرأون الواقع .
و بالنسبة للكفاءات السورية فإننا كنا نتفاجأ عندما نسمع تبريرات تتعلق بنقص الكفاءات أو نرى مؤتمرات قبل ما حصل ببلدنا لحل مشاكل يندب لها خبراء أجانب لأمور كثيرة منها:
إن السوريين أدرى بمشاكلهم و حلولها فكيف نأتي مثلاً بباحث من دولة أمريكية ليعرض لنا كيف نحل مشكلة القطاع غير النظامي علماً أن تكوينه و مسبباته و انعكاساته في بلده غير التي يمر بها بلدنا و هل اختفى من يستطيع دراسة هذه المشكلة و يبين أسبابها و انعكاساتها و كيفية التخفيف منها , وإن كان ذلك فهذه دراسة بحاجة لشهور عديدة , و إن الكفاءات السورية على المستوى المحلي أو الخارجي و المشهود لها بانضباطها و كفاءاتها و إخلاصها بالعمل منتشرة بكثرة في كل بقعة من بقاع الأرض , فعلى الرغم من نقص الإحصاءات و لكن هناك دراسات تقول :إن ما بين خمسة و سبعة آلاف من الكفاءات العربية تهاجر سنويا نحو الدول الغربية الصناعية, وإن ( 60%)ممن درسوا في أمريكا في العقود الثلاثة الأخيرة لم يعودوا إلى بلدانهم وفي فرنسا تدل الإحصاءات على أن ( 50%) ممن درسوا فيها لم يعودوا إلى بلدانهم, و حسب تقديرات ترجع إلى عام 1980 فإن نصف العلماء الحائزين على شهادات الدكتوراه في التخصصات العلمية سواء الطبية أو الهندسية هاجروا من الدول العربية و لا يعمل في الدول العربية سوى اثنين من كل خمسة باحثين عرب, و في سورية هناك نزيف كبير في أعضاء الهيئة التدريسية حيث وصلت نسبتهم في عام 2005 إلى (30%) من إجمالي أعضاء الهيئة التدريسية من خلال الاستيداع و الإعارة , و كذلك لا يعود من بين كل ( 100) موفد إلى الخارج سوى ( 20) موفد و هو ما يعتبر هدراً و خسارة للكفاءات العلمية الحالية و التي تعد للمستقبل في سورية .
أن الكفاءات السورية المهاجرة كانت تساوي( 2%)من السكان عام 2001 , و ( 7%) من إجمالي قوة العمل, و ( 11%)من إجمالي الكفاءات العربية المهاجرة, و هذا يعد خسارة كبيرة و هدراً خطيراً لموارد بشرية ذات كفاءات متميزة تحتاج لها عملية التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و تفتقد للكثير من خبراتها , إضافة إلى الحاجة لها لتأهيل و تدريب و تنمية الموارد البشرية الموجودة من اجل الاستفادة منها مستقبلاً في عملية التنمية الأمر الذي انعكس بشكل سلبي و خطير على عملية التنمية و قد ورد في دراسة سابقة أن عدد المهاجرين السوريين بلغ عام 1990 نحو 690 ألف مهاجر، وتنامى هذا العدد ليبلغ أكثر من 924 ألفاً عام 2000، وتسارعت وتيرة الهجرة حسب المعطيات خلال سنوات 2000-2005 ليزيد العدد الإجمالي عن مليون و326 ألف مهاجر، بينما يقدر أن يبلغ عدد المهاجرين السوريين عام 2010 نحو مليونين و205 آلاف، أي ما يزيد عن 10% من سكان سورية.

واستناداً إلى التقرير العربي عن المعرفة لعام 2009 فإن سورية تعدّ من البلدان الطاردة للكفاءات، حيث تحتل المرتبة الأولى بين الدول العربية حسب مؤشر هجرة الأدمغة المعتمد ضمن منهجية قياس المعرفة للبنك الدولي بقيمة للمؤشر تعادل 2.3
هذه حجم الكفاءات السورية التي تشكل نسبة لا بأس بها من ركائز التنمية في مختلف بلدان العالم ,و نحن نعاني حسب ما يقال من نقص و ندرة !!!!!!و أصبح موضوع الكفاءات ومناقشته أهم بعدما حصل ببلدنا وحملات التصفيات والقتل و الاستلاب والهروب لكفاءات كبيرة بمختلف المجالات الطبية والهندسية و الأكاديمية و العسكرية و الفنية و بمستويات مرتفعة وبذلك نكون وصلنا للفراغ و التهشم البنيوي نتيجة سوء استثمار الموارد والمحافظة على الطاقات المبدعة و إعادة جذبهم و كذلك من نتيجة الفراغ الهشاشة و تقلص دور الحكماء و سهولة الانقياد للكثيرين بمشاريع كان يجب أن تكون النوافذ و التحصينات أقوى سابقاً عبر فعالية وكفاءة استثمار و استخدام الكفاءات والطاقات السورية بدلاً من تهجيرها و تطفيشها من منظومات الفساد الساعية لتهشيم البنى و اشعال وتدمير الجسد السوري بما يتقاطع مع المشاريع الغربية الهادفة بشكل مستمر لعرقلة التنمية ومنع استقلاليتها واستمرارها ولو اقتضى الموضوع افتعال الحروب و قتل الكفاءات التي تبقى و تصبر من أجل وطنها و هنا يتبادر السؤال التالي

:لماذا يصبح الكثير من هذه الكفاءات مبدعين خارج أراضي وبلدنا الغالي و ما الأسباب التي تجعلهم يغادرون و ماذا فعلنا من أجل مكافحة هذه الهجرة أو هذا الفقدان , وبالتالي هل نعاني من نقص أم سوء توظيف ؟
و تعد الولايات المتحدة في العصر الحالي أكثر الدول استقطابا للكفاءات بشكل عام و العربية بشكل خاص من حيث العدد , و الأهم من ذلك النوعية المتميزة حتى أنها تعتبر كل شخص يكمل تعليمه في معاهدها و جامعاتها , و يعود إلى بلده الأصلي بمثابة هجرة عقول أمريكية و لا تتوانى عن ممارسة شتى الإغراءات المالية و المادية و حتى الترهيب أحيانا,ويقدر عدد الأطباء المهاجرين من الدول النامية الموجودين في الولايات المتحدة بــ ( 24000 ) طبيب , أما المهندسون فقد بلغ عددهم ( 8500 ) مهندس , كما أن العلماء المشتغلين بالعلوم الطبيعية بلغ عددهم ( 1575 ) عالم .
و إذا بحثنا في المصدر الرئيسي للعلماء و المهندسين و الأطباء المهاجرين إلى الولايات المتحدة فقد كان على النحو التالي :
( 50 % ) من مصر , ( 15 % ) من العراق و لبنان , (5 % ) من سورية و الأردن و ( 4 % ) من فلسطين و النسبة الباقية و البالغة ( 26 % ) فهي من مختلف دول العالم.
و تشير مصادر دبلوماسية في السفارة الأمريكية إلى أن عدد السوريين الذين يحصلون على التأشيرة يصل 2006إلى( 11300 ) شخص سنوياً و أكدت السفيرة الكندية أن عدد المهاجرين السوريين إلى كندا يتراوح بين(50000 – 60000) شخصاً سنوياً وأن عدد الدكاترة السوريين بألمانيا حوالي 18000 ألف وأغلب مشافي فرنسا تفيض من الأطباء السوريين ولا نعرف حجم ما هجرته الأزمة الأخيرة.
.
و بالتالي السؤال الأهم ما هي الأسباب الحقيقية لهذا الفقدان سابقاً و بالتالي النقص كما يدعون ؟
طبعاً هناك أسباب كثيرة وراء هجرة هذه الكفاءات منها:
أولا : عوامل الطرد :
إن العوامل التي تؤدي إلى تفكير الشخص بالهجرة و عدم الرجوع إلى بلده و المتعلقة بظروف بلده تختلف من شخص إلى آخر حسب طبيعة الفرد و تعليمه و تخصصه وفيما يلي مجموعة من الأسباب المؤدية إلى هجرة الكفاءات العلمية و الفنية :
1 – الأسباب الاجتماعية :
لعب تمسك المجتمع بعادات و تقاليد متشددة تجاه أمور معينة نقيضة لما رآه المهاجر في المجتمع الجديد من حرية و علاقات جديدة دورا مهما في بقاء الشخص المهاجر في الخارج هاربا من قيود هذه العادات و التقاليد .
و من ناحية أخرى فإن بروز فئات اجتماعية ذات ثروات هائلة حصلت عليها بأساليب غير شرعية أو عن طريق المضاربات و خاصة العقارية أو عن طريق الفساد و الرشوة و استخدام هذه الثروات في تدعيم مواقف هذه الفئات في كافة نواحي المجتمع على حساب شرائح كبيرة من العلماء و حملة الاختصاصات العلمية و أصحاب المهن و أصحاب الكفاءات العلمية المختلفة هؤلاء الذين لديهم حساسية تجاه قيم العدالة المطلقة و المساواة. وكذلك تلعب البطالة بكافة أشكالها دوراً مهماً في دفع الكفاءات العلمية و الفنية للهجرة
2 – الأسباب الاقتصادية :
ضعف الأجور في سورية بشكل عام و كما وجدنا سابقاً فلا يوجد سياسة للأجور تحقق العدالة القائمة على أساس الكفاءة و الاختصاص و لا تمييز أصحاب الكفاءات من حيث المكافآت و الحوافز مما يؤدي إلى صعوبة في تأمين المستوى المعيشي اللائق .
3 –الأسباب التعليمية :
السياسات التعليمية غير الملتزمة بمخطط معين أدت إلى زيادة أعداد الخريجين بما لا يتوافق مع الخطط التنموية و الاجتماعية و الاقتصادية , و كذلك اعتماد هذه السياسات على مناهج لا تتناسب مع سوق العمل مما أدى إلى حدوث بطالة كبيرة حتى لأصحاب الشهادات العليا , بالإضافة إلى ضعف التخطيط بالنسبة إلى إرسال الكثير من الكوادر وفق اختصاصات لا تتناسب مع خطط التنمية و غير متوافرة فرص العمل في المرحلة الراهنة.
4 – ضعف الاهتمام بالعلماء و البحث العلمي :
عدم توفر التسهيلات العلمية و عدم وجود المناخ الملائم لإمكانية البحث العلمي, فوفقا لتقرير العلم في العالم الذي تصدره اليونسكو , يعد تمويل البحث العلمي في العالم العربي من أكثر المستويات انخفاضا في العالم ,فوفق المعايير الدولية هناك نسبة في الإنفاق على البحث العلمي و التطوير التكنولوجي إلى إجمالي الإنتاج المحلي كما يلي :
– أقل من ( 1%) يكون أداء البحث العلمي و التطوير ضعيفاً جداً .
– من (1 -1.6 %) يكون أداء البحث العلمي و التطوير في مستوى الأداء الحرج .
– من (1.6- 2%) يكون الأداء في مستوى جيد .
– أكثر من (2%) يكون الأداء في مستوى مثالي .
– فقد بلغ معدل الإنفاق العلمي نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي ( 0.14 %) فقط في العالم العربي , مقابل ( 2.53 %) عام 1994 للكيان الصهيوني و 2.9% لليابان و (1.62% ) لكوبا , و أصبحت عام 2002 نسبة الإنفاق على البحث العلمي (0.2%) من الناتج القومي مقابل ( 2.5%) في البلدان المتقدمة و كذلك كان عدد العاملين في البحث العلمي (35)ألف بنسبة (3.3) لكل (10)آلاف من القوى العاملة و هي تمثل ( 3 -10) % من قيم هذا المؤشر في البلدان المتقدمة بالإضافة إلى الكثير من العراقيل التي توضع في وجه البحث العلمي و الفكري الحر
– 5 – الفساد الإداري و الرشوة :
إن الفساد الإداري و الرشوة يؤديان إلى تعيين الأشخاص على أساس القرابة العائلية و العلاقات الشخصية أو مقابل مبالغ معينة من المال مما يؤدي إلى تهميش أصحاب الكفاءات العلمية و الفنية و محاربتهم بسبب عدم توافق مؤهلاتهم و عدم تلبيتهم لجميع الاملاءات المفروضة من قبل هؤلاء المدارء الذين يشعرون بأن أصحاب الكفاءات بمثابة أعداء لهم هذا ما يؤدي إلى شعور ذوي الكفاءات بالكبت و الاشمئزاز وعدم إمكانية التغير مما يؤدي إلى إهمال العمل و المؤسسة و في النهاية الهجرة.
6 – الفجوة المعرفية و الرقمية و التقنية :
تفتقر البلدان العربية إلى سياسات التقانة الملائمة التي تعزز تطوير المعاهد و المنظمات الوطنية التي ستكون قادرة على القيام بالخدمات التقنية المرغوب بها , و تلك تشكل قوة دفع وراء هجرة الأدمغة .
و حتى عندما تستورد التقنية فتكون غريبة عن مجتمعنا , و لا تساعد على تطوير التقنية الخاصة بمجتمعنا , و يلاحظ بأن إدخال التكنولوجيا و المعلوماتية إلى أغلب القطاعات الاقتصادية يكون بمثابة إقحام أو تقليد بما لا تقتضيه العملية الاقتصادية.
7 – الأسباب السياسية :
كان لعدم الاستقرار السياسي الذي شهدته سورية و مختلف الدول العربية بعد التحرر من الاستعمار المباشر و للانقلابات العسكرية المتكررة وكذلك للحروب المتكررة و للوضع السياسي المضطرب في معظم البلدان العربية و الصراع الدائم مع الامبريالية العالمية و الكيان الصهيوني, دورا كبير في هجرة أصحاب الكفاءات و العقول .
8 – التقييد المؤسساتي
إن الإنسان في المجتمع العربي عاجز عن تحقيق طموحاته و التأثير بالأحداث التي تصنع مصيره فتسيطر عليه مؤسساته السياسية و الاقتصادية و العلمية و الاجتماعية و تستخدمه لمصالحها الخاصة بدلا من أن يعمل على خدمة و تنمية مواهبه.
وزاد على ذلك الأزمة وما نجم عنها من فقدان الأمن و الأمان و الاستقرار و عوامل الجذب الغربية في هذه الأثناء والظروف
ثانياً – عوامل الجذب :
وهي عبارة عن مجموعة من العوامل التي تتوفر في البلد المستقطب أو المهاجر إليه مكونة جداراً كبيراً بينه و بين وطنه الأم ومن هذه العوامل :
1 – المحيط العلمي الأكثر تقدما الذي يحفز على مواصلة البحث و التجريب و زيادة الخبرة ..
2 – اعتماد الترقية و الترفيع بالدرجة الأولى على البحث المنتج و الكفاءة الفردية بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى .
3 – المستوى المعاشي الجيد الذي يحققه الفرد و الضمانات الاجتماعية و خدماتها ووسائل الاستهلاك و الرفاه المادي و تسهيلاته .
الآثار الناجمة عن هجرة العقول و الكفاءات العلمية :
1 – بالنسبة للبلدان المرسلة :
أ – الآثار السلبية :
تمثل هجرة الكفاءات اقتطاعا من القوى العاملة المتميزة المتوفرة لدى البلاد و التي تحتاج إليها حاجة ماسة في الجهود التي تبذلها في التنمية بشكل عام و التنمية الاقتصادية و الاجتماعية بشكل خاص , وبقدر ما يكون مستوى كفاءة القوى العاملة عاليا و مرتفعا بقدر ما تكون الخسائر التي يتكبدها البلد و تأثيرها على التنمية أكبر, فخسارة الكفاءات العربية بشكل عام و السورية بشكل خاص تؤثر على المجتمعات في الأمور التالية :
– إن خسارة الطاقة البشرية المتخصصة تخفض القدرات الفكرية في البلد المعني و تشل الجهود الوطنية لحل المشكلات الوطنية .
– تفقد البلاد القدرة على تحليل مشاكلها و القدرة على التخطيط بفاعلية .
– تفقد البلاد موردا خلاقا و حيويا و أساسيا بالنسبة لتطورها
– تفقد الموارد البشرية في البلد المعني إمكانيات كبيرة كانت قادرة على تأهيل هذه القوى البشرية و تدريبها و خلق تنمية مستدامة للموارد البشرية.
وتتزايد فداحة التكاليف الناشئة عن الكفاءات عندما تحدث الهجرة بين فئات القوى العاملة الأفضل تدريبا و إعدادا و الذين استطاعوا بفضل أقدميتهم في العمل أن يكسبوا خبرة مهنية واسعة خصوصا عندما تقترن بمستوى عال من الإعداد و التدريب المهني و بالفعل إن الخبرة تشكل عنصرا هاما في إغناء مواصفات القوى العاملة شأنها شأن التعليم و التدريب المهني وهي تشكل عنصرا أساسيا في المجال الواسع للمعرفة و الخبرة الجماعية و التي بدونها تتعرض كل محاولات التنمية للفشل.
إن الهجرة ظاهرة خطيرة بشكل عام و هجرة الكفاءات بشكل خاص تعتبر خطرا على التطور الاقتصادي و الاجتماعي و تكمن الخطورة في العجز الحاصل في الكوادر اللازمة لرفع وتيرة التطور الاقتصادي و الاجتماعي و هذا يدلنا على أن هذه الهجرة قد قللت من مؤشرات التنمية الاجتماعية , في وقت عانت منه مؤسساتنا العامة الاقتصادية و الخدمية من الفساد و الهدر و سوء إدارة و استثمار و نقص بالكوادر المدربة و المؤهلة الأمر الذي انعكس على الإنتاج و الإنتاجية و بالتالي أدى إلى انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لانخفاض معدل النمو الاقتصادي , و قد أثرت هجرة هذه الكفاءات بالوضع الحالي الذي وصلت إليه هذه المؤسسات.
يمكن أن نختصر النتائج من الناحية النتائج التعليمية و الثقافية بما يلي :
– تناقص قدرة البلد في إعداد المؤهلين اللازمين لعملية التنمية حيث أن هجرة الكفاءات تحرم الجامعات و المعاهد و المؤسسات التعليمية و التأهيلية من الأجهزة و الكوادر التي يكون بإمكانها تطوير التعليم و تأهيل الكوادر القادرة لدفع عملية التنمية الاقتصادية و الاجتماعية في ظل توفر ظروف مناسبة .
– انخفاض المستويات التعليمية في البلد نتيجة تناقص معظم العناصر المؤهلة من أعضاء الهيئة التدريسية بالنسبة لعدد الطلاب في الجامعات و المعاهد و المؤسسات التعليمية مما يؤدي إلى تخرج دفعات ذات كفاءة محدودة .
– الخسائر المالية و المادية التي صرفت على الفرد المهاجر حتى وصل إلى هذه المرحلة من العلم و الكفاءة و المهارة سواء المصاريف التي قدمها أهله و أسرته أو المجتمع بما تنفقه من خدمات تعليمية و صحية و بنى تحتية.
و في دراسة للمركز العربي للدراسات الاستراتيجية بينت أن تكلفة إعداد الشخص الواحد تكون كما يلي :
اختصاص أربع سنوات ( 34888 ) دولاراً .
اختصاص علمي خمس سنوات ( 44979 ) دولاراً .
اختصاص علمي ست سنوات ( 46284 ) دولار.
ووجدت الدراسة أن الكلفة الإجمالية للعالم المهاجر و الحاصل على الإجازة أو على الدكتوراه و ما يعادلها ( تتضمن هذه الكلفة المراحل السابقة حتى نيله الدكتوراه مضافاً إليها خسارة الإنتاجية خلال تواجده في بلاد الاغتراب) كما يلي :
الطب ( 305480 ) دولاراً , الصيدلة و الأسنان و الهندسات بمختلف أنواعها ( 116979 ) دولاراً , علوم بمختلف فروعها ( 115124)دولاراً , الاختصاصات النظرية (106888 ) دولار .
– انخفاض الخدمات الاجتماعية و خاصة الصحية و التعليمية و خدمات التأهيل و التدريب بما ينعكس سلبا على تنشئة و إعداد الموارد البشرية و ذلك بسبب أن معظم المهاجرين هم من الكفاءات ذات السوية الجيدة في هذه الاختصاصات .
– انخفاض الإنتاجية في كافة المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية مما يؤثر سلبا على استمرارية عملية التنمية .
ب – الآثار الإيجابية :
يمكن عن طريق الاحتكاك المتواصل الاستفادة من خبرات هذه الكفاءات و الإطلاع على أحدث ما توصل إليه العلم و التقنية في مختلف المجالات و أخذ ما يناسب بلدنا و يؤدي إلى استمرار عملية التنمية و تقدمها .
– يمكن الاستفادة من خبرات هؤلاء لتأهيل الكوادر المحلية .
حجم التحويلات المالية:
– وتشكل التحويلات المالية التي يرسلها المهاجرون الإيجابية الأكثر فاعلية بالنسبة للبلدان العربية و خاصة البلدان التي لها عمالة ذات كفاءة فنية مهاجرة في دول الخليج العربي أو الدول المجاورة فقد بلغت التحويلات و عائدات المصريين في الخارج حوالي أربعة مليارات دولار , كذلك استفادت سورية من تحويلات العمالة في دول الخليج خلال العقود الثلاثة الماضية إذ بلغ متوسط تحويلاتها نحو ( 400 )مليون دولار خلال الفترة 1979 – 1989 , و نحو ( 500 ) مليون دولار خلال الفترة 1990 – 2000 عدا التحويلات العينية ( السلع ) و المبالغ النقدية التي يتم إدخالها إلى البلد بطرق غير رسمية ( لا يصرح عنها ) و هي مبالغ تفوق بكثير حجم المبالغ التي يتم إدخالها بصورة قانونية.
و تساهم هذه التحويلات في سد عجز ميزان المدفوعات و توفير العملات الصعبة اللازمة لدعم عملية التنمية الاقتصادية و الاجتماعية .
الآثار الايجابية بالنسبة للبلد المستقبل للكفاءات :
بالنسبة للدول المستقبلة فإنه من الصعوبة إنتاج أشخاص مدربين تدريبا عاليا و إن استيراد هؤلاء من الدول النامية أقل تكلفة من توسيع الجامعات و بهذه الهجرة فإن تحقيق الأهداف الوطنية للدولة المستقبلة أسهل و أقل تكلفة على عكس الدول المصدرة للهجرة, توفير الأموال الطائلة اللازمة من أجل بناء المؤسسات التعليمية اللازمة لاستيعاب و تأهيل الكوادر اللازمة لعملية التنمية في حال عدم إمكانية استقطاب هذه الكوادر .
تحقيق الهدف الإمبريالي الاستعماري الذي تسعى من أجله كافة الدول الإمبريالية و هو عدم تطور المنطقة العربية بشكل عام و منطقتنا بشكل خاص ليسهل التحكم بها و من أجل استمرارية الارتباط بالغرب .
و أخيراً يمكننا القول :إن الموارد البشرية المدربة و ذات الكفاءة العالية هي الثروة الكبرى لأي بلد من البلدان فهي أثمن من كل الثروات الطبيعية و هي الأساس لبناء التنمية الشاملة بشكل عام و الاقتصادية و الاجتماعية بشكل خاص.
فهناك الكثير من الدول التي أصبحت من الدول المتقدمة اقتصاديا باعتمادها على الكوادر المدربة و المؤهلة بالرغم من فقرها بالثروات الطبيعية و هناك الكثير من الدول الغنية بثرواتها الطبيعية الفقيرة بكوادرها و التي مازالت تعد من الدول الفقيرة في الخدمات و المستوى المعيشي للمواطنين .
و بعد دراستنا السابقة وجدنا أن هجرة هذه الكفاءات و العقول تعتبر خسارة كبيرة للدول المصدرة و هي حاجز كبير تساعد في بنائه الدول الإمبريالية من أجل استمرار التخلف و إن أية تحويلات مالية ناجمة عن هجرة هؤلاء تكاد تكون معدومة الفائدة مقارنة بالخسائر الناجمة عنها لذا نرى بأن تقوم الدولة باتخاذ الإجراءات الكفيلة بالتقليل من هجرة كفاءاتها عن طريق القيام بالإصلاحات المناسبة و المتوافقة مع إمكانياتها سواء كانت إدارية أو اقتصادية أو سياسية أوفي مجال التربية و التعليم و محاولة تقديم الإغراءات المالية و المعنوية من أجل جذب المهاجرين و استقرارهم في بلدهم الأصلي و إن لم نستطع استقطابهم فهذا لا يمنع من الاستفادة قدر الإمكان من إمكانياتهم سواء في مكان إقامتهم أو في البلد المرسل و بالتالي فإننا في بلدنا لا نعاني نقص في الكفاءات كما يبرر و إنما لدينا فائض في الكفاءات و سوء في الاستخدام و الاستغلال و قد أثبتت الكفاءات السورية في داخل سورية فهم و إبداع و تقبل لكل ما هو جديد على سورية من خلال الاعتماد على الكفاءات السورية بشكل تام بعد فترات بسيطة من إدخال البنوك الخاصة و شركات الاتصالات و الوكالات العالمية فكانت الكفاءات السورية خير قائد و مسير لهذه المؤسسات و هذا يدل على العقلية و الذهنية المتميزة التي يتحلى بها المواطن السوري حينما تكون التنشئة سليمة و الاستغلال صحيح . وان ظروف الأزمة القاسية و الكبيرة وما نجم عنها من دمار ودماء تقتضي النظر بعين وطنية لهؤلاء و محاولة جذبهم إعادة البناء و الإعمار وكذلك تقتضي وقوف هؤلاء مع بلدهم وأهلهم في ظل ظروف صعبة من كافة النواحي الاقتصادية والاجتماعية و الانسانية التي ما لبث أن تشدق بها الغرب المؤمن بإنسانية مواطنيه فقط و النظر بدونية للبقية وأي تقاعس عن تقديم الظروف المواتية للجذب لأي فاعل وطني بناء أو للوقوف مع سورية و شعبها فيما يعاني من قبل هؤلاء يندرج في خانة اللا انتماء أو اللا إحساس وطني إنساني .
الدكتور سنان علي ديب / رئيس جمعية العلوم الاقتصادية باللاذقية

1

التعليقات :

اكتب تعليق

المركز الثقافي الألماني يقيم دورة في فن التمثيل التلفزيوني الأحترافي.
البياتي يستقبل وفد الاتحاد الدولي الآعلام الاقليات وحقوق الانسان .
باجلان سفير للتنمية المستدامة في العراق
و….. أغلقها وهجر اهلها أرهاب الداخل والخارج …عن كنيسة الحكمة الالهية اتكلم
الايزيديون والصابئة المندائيون يهنئون اخوتهم المسيحيين
مفوضية الانتخابات تفاتح مجلس النواب لغرض الاسراع بالمصادقة على تحديد موعد الانتخابات البرلمانية
عام التعافي والانطلاقة فهل يكون العام القادم عام المواطن والعدالة الاجتماعية ……
الاتروشي يهنىء مسيحيي العراق باعياد الميلاد ورأس الجديدة
التدمير الممنهج والإنسانية المفقودة بدواعي زائفة للدمقطرة/ استهلاك الثقافة وثقافة الاستهلاك
كشف موقعي للمقابر الجماعية في سنجار
الاتحاد الدولي لاعلام الاقليات وحقوق الانسان يستقبل الوفد الهولندي في بابل
تكريم رئيس الطائفة الايزيدية في العراق والعالم البابا الشيخ
أجتماع لمناقشة الآليات التنفيذية ودعم مشروع التعايش السلمي
رئيس الاتحاد الدولي لاعلام الاقليات وحقوق يحضر ندوة نقاشية في ديوان اوقاف الديانات حول المقابر الجماعية للايزيدين
دعوة سمبوزيوم القدس في النبطية
زيارة السفاره البريطانية
أحتفالية النصر الكبير
نيافة المطران افاك اسادويان رئيس طائفة الارمن.. يرعى أحتفالية لفرقة سايات نوفا
أجتماع السفيرة الفلندية في العراق مع ناشطات عراقيات عضوات سكرتارية تحالف 1325
الهوية الاقتصادية والنهج التنموي
Videos games
مساعدة الايتام ضمن حملة الانسانية للسيد “بشير كورية” في شيخان 
وزير الهجرة ” اعداد النازحين بلغت 80 الف نازح من نينوى والحويجة حتى الان
في موانئ العراق : لاول مرة بعد 25 عام ترسو بواخر الزيت الخام وبدء الضخ التجريبي
كتب مصطفى المصري فلسطين كل عروبتي
عضو مجلس الامناء في هيئة الاعلام والاتصالات : قرار رسوم الضرائب على الاتصالات قرار حكومي فرض بسبب الازمة الماليه التي يمر بها البلد
دور منظمات المجتمع المدني
بوخن… من التقاليد الاشورية في صوم نينوى
6 دول عربية ضمن “الأفضل في العالم”
الموسوي…… موجها بيانه اتجاه السفاره اﻻمريكية
مؤيد_اللامي : يؤكد ان العراق يقف في مقدمة دول العالم بتضحيات صحفيية من اجل القيم والمبادىء ومواجهة الارهاب
رئيس مجلس ذي قار يبحث مع شركات كورية وصينية الاستثمار وانشاء مدينة جديدة
ئارام شيخ محمد” للأسف أن ماتعرضت له باريس بالأمس القريب وبروكسل اليوم من هجمات أرهابية هو نتيجة عدم إدراك المجتمع الدولي لخطورة هذه المنظمات الأرهابية”.
” الاقليات ومستقبل العراق بعد تحرير اراضيه من الارهاب “ندوة للجمعية العراقية لحقوق الانسان
رئيس البرلمان يستنكر تفجيرات بروكسل ويدعو المجتمع الدولي للتضامن في حربه ضد داعش
المعهد العالي للاتصالات والبريد يكرم طلبتهُ الاوائل
وزارة النفط بالتعاون مع مؤسسة الشهداء تكرم عوائل شهداء الحشد الشعبي
الفهداوي / يطالب نواب البصرة والحكومة المحلية بحل مشكلة المتجاوزين التي تسبب بحرمان اهل البصرة من تزويدهم بطاقة كهربائية اضافية
تغطية أعلامية
والبصريون واطول علم وموسوعة غينيس
استفتاءات

رأيك بتصميم الموقع

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
تابعونا على الفيس بوك