القتلة في مكان آخر

بواسطة » الوقت \ التاريخ : عدد المشاهدين : 809 views » طباعة المقالة :

 

الاعلامية / غادة محمد – مكتب سلطنة عمان-في ثمانينيات القرن المنصرم كان خطيب الجمعة في المنطقة التي كنت أسكن فيها -آنذاك- يختم خطبته بهذا الدعاء: ” اللهم عليك بالشيوعيين ومن شايعهم، والنصارى ومن ناصرهم، واليهود ومن هاودهم. اللهم شتت شملهم، وزلزل الأرض تحت أقدامهم ودمرهم تدميرا، وأجعل أموالهم غنيمة للمسلمين”. في تلك الفترة كانت الحرب الدموية بين العراق وإيران (1980-1988) على أشدها، وكانت الحملات الإعلامية بين الطرفين بلغت ذروتها، ودخل التأجيج القومي والطائفي طرفا فيه، ولكن، مع ذلك، لم تحدث أية اضطرابات مذهبية في العالم الإسلامي سوى بعض التفجيرات المحدودة في باكستان، ولم تختتم صلوات الجمعة والعيدين بالدعاء على الشيعة كما يحدث اليوم، وإنما كانت تكتفي بالدعاء على الشيوعيين والنصارى واليهود فقط (وهي مدانةٌ طبعاً). فما الذي تغير الآن؟ ما الذي حدث للمسلمين حتى يندفعوا بهذا الشكل الجنوني إلى قتل بعضهم بعضا؟ حتى أصبح المسلم لا يأمن على نفسه في بيوت الله.

قبل أن ندخل في الموضوع ينبغي الإشارة إلى أن كثيرا من الفلاسفة والمفكرين يقولون إن الأصل في الإنسان هو التعصب، أما التسامح فهو حالة استثنائية تحدث غالبا من أجل مصلحة وقتية فقط، تنتهي مع الانتهاء منها. والكائن الديني ليس استثناءً من هذه القاعدة، إذ أنه يعتقد أنه وحده الذي يمتلك الحقيقة المطلقة فقط، أما البقية فهم ضُلّالٌ ويستحقون العقاب الأخروي. ينقل المفكر السوري هاشم صالح في كتابه: (معضلة الأصولية الإسلامية) عن الفيلسوف الألماني بول ريكور في مقال له تحت عنوان (الحالة الراهنة للتفكير حول التعصب) قوله: “إن التعصب يعبر عن ميلٍ طبيعي موجود لدى جميع الكائنات البشرية. فكل شخص أو فئة وجماعة، تحب أن تفرض عقائدها وقناعاتها على الآخرين، وهي تفعل ذلك عادة إذا ما امتلكت القوة أو السلطة الضرورية. وبالتالي فالتعصب يعني أولا تسفيه عقائد الآخرين وقناعاتهم أو احتقارها؛ وهو يعني ثانيا منع الآخرين بالقوة من التعبير عنها”. ويقول المفكر المغربي محمد الطالبي: إن الإنسان بطبيعته كائن متعصب، ولكنه يصبح متسامحا بالضرورة أولا ثم عن طريق الذكاء والعقل ثانيا، فهو مضطر للعيش في المجتمع والتعامل مع الآخرين يوميا، وبالتالي فلا بد من تدجين مشاعره العدوانية لأنه لا يستطيع أن يعيش في حالة حرب كل يوم.

ومن يقرأ تاريخ الأديان يجد إنه مليء بالمذابح وجرائم القتل التي سودت تاريخ البشرية، فقد عاشت أوروبا حرباً طائفية طويلة بين الكاثوليك والبروتستانت وذهب ضحيتها مئات الآلاف من الطرفين، ولعل مذبحة سانت بارتيليمي من أشهر فصولها، حيث تم دعوة زعماء البروتستانت إلى باريس من مختلف الأقاليم لحضور حفل زفاف في القصر الملكي، وفي منتصف الليل وبينما كان القوم غارقين في النوم انقض عليهم الجنود الكاثوليك بأسلحتهم ومزقوهم إربا، ولكن القصة لم تنتهِ هنا، فلم يَكَد الكاثوليك في باريس يعلموا بأمر المذبحة حتى انقضّوا بدورهم على البروتستانت، وكانت النتيجة مقتل أكثر من ثلاثة ألاف من هذه الطائفة في ثلاثة أيام فقط، وبعد انتهاء المذبحة قام رجل الدين الأصولي بوسويه بإرسال برقية تهنئة إلى ملك فرنسا لويس الرابع عشر يقول فيها: “لقد ثبتّ أركان الإيمان يا جلالة الملك، واستأصلت الهراطقة، وهذا هو أكبر عمل جليل يحصل في عهدك. فبك زالوا واندثروا، ووحده الله سبحانه وتعالى أتاح لك إنجاز مثل هذا العمل العظيم الذي يكاد يشبه المعجزة. يا ملك السماء احفظ لنا ملك الأرض” (كتاب: معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا لهاشم صالح).

وفي التاريخ الإسلامي عندما أراد السلطان العثماني سليم الأول غزو إيران استنجد بالمفتي العثماني نوح الحنفي الذي لم يتوانَ في سبيل إرضاء سيده بإصدار فتوى طويلة في كفر الصفويين وشركهم ووجوب قتلهم، جاء في مقدمتها: أعلم أسعدك الله إن هؤلاء الكفرة والبغاة الفجرة قد جمعوا بين أصناف الكفر والبغي والعناد وأنواع الفسق والزندقة والإلحاد ومن توقف في كفرهم وإلحادهم ووجوب قتالهم وجواز قتلهم فهو كافر مثلهم… (أنظر تنقيح الفتاوى الحامدية لابن عابدين ص 94 – 96). وفي الطرف المقابل كانت مؤلفات وفتاوى شيخ الإسلام في الدولة الصفوية محمد باقر المجلسي سلاحا لدى حكام هذه الدولة لمحاربة العثمانيين والحيلولة دون انضمام بلاد فارس إلى الدولة العثمانية.

وعوداً على سؤال (ما الذي تغّير الآن؟)، الذي تَغَيّر امتلاء البث الفضائي التلفزيوني بمئات القنوات الفضائية التي تعمل ليل نهار على التجييش الطائفي، ونشر خطاب الكراهية في المجتمعات العربية، ولا هَمّ لها سوى تكفير المذاهب الأخرى، فكيف يسود التسامح في مجتمعٍ ينام على لعن الصحابة ويصحو على تكفير الشيعة واتهامهم بالعمالة للخارج؟ ومواقع التواصل الاجتماعي التي تضج بفتاوى التحريض التي يطلقها بعض دعاة الفضائيات المعروفين، وتقاعس المؤسسات الدينية الرسمية والجامعات الدينية والحوزات العلمية عن القيام بواجبها المتمثل في محاربة الغلو والتطرف، بل نجد إن كثيراً من هذه المؤسسات تمارس إرهابا فكريا لا يختلف كثيرا عن إرهاب الجماعات المتطرفة إلا من حيث الدرجة، مثل محاربة المفكرين وتحريض الحكومات على محاكمتهم، ولعل ما حدث للكاتبة السعودية حصة آل الشيخ مؤخرا أحد الأدلة على ذلك. إضافة إلى غياب ثقافة المواطنة والتعددية في المجتمعات العربية، وعندما يغيب الانتماء الوطني في المجتمع، فإن الهوية الطائفية/ القبلية تكون هي البديل حتما. جميع تلك الأسباب تصب في اتجاه واحد وهو: تكفير وتضليل المذاهب والاتجاهات والأفكار الأخرى، مما ساعد الحركات المتطرفة – كداعش وأخواتها- في تجنيد الشباب المسلم من أجل تحقيق أجندتها المتطرفة تحت عنوان: الجهاد في سبيل الله.

إنّ المعركة مع التيارات التكفيرية أصبحت وجودية، ولا سبيل فيها إلى المهادنة أو الاستسلام، فالخطر أصبح يهدد الجميع دون استثناء، وهي معركة يجب أن تقوم بالسلاح والقلم في آنٍ واحد، وعلى أصحاب الفكر والمعرفة والقانون أن يقفوا في وجه هذه الهجمة الظلامية القروسطية التي تستهدف أمن واستقرار المنطقة والسلام الاجتماعي فيه، فالخطر لم يَعُد يهدد سورية والعراق وليبيا واليمن والسعودية فقط، إنما يهدد الجميع دون استثناء. ومواجهة هذا الخطر الأصولي الظلامي لن يتحقق بالمواجهة الأمنية فقط، وإنما بتفكيك الخطابات اللاهوتية المتحجرة التي تسيطر على الوعي الشعبي، التي أصبحت نتيجة للقنوات الفضائية والكتب الصفراء وكأنها حقائق إلهية لا تُمس، ويجب في الوقت نفسه تشريع قوانين صارمة بتجريم التحريض المذهبي؛ ومنها استخدام المصطلحات الطائفية مثل: الروافض والنواصب والصفويين والخوارج، وغيرها، ونشر فكر المواطنة والتعددية في المجتمع، وما لم يحدث ذلك، يظل دعاة الفتنة يواصلون التحريض الطائفي، وتستمر عمليات التفجير والقتل. وبينما تتوزع أشلاء الانتحاري هنا وهناك، يظل القتلة الحقيقيون خارج مسرح الجريمة.

بقلم صالح البلوشي

saleh elfloshy

1

التعليقات :

اكتب تعليق

افتتاح مهرجان الزهور والحرف في مدينة الشمس بعلبك على بركة رأس العين
أنطلآق المؤتمر العاشر لرابطة المرآة
قائدات سوريات في مركز “القيادة النسائية في العالم العربي”
لستم أقلية….
أنطلاق ((معهد لدراسات التنوع في العراق))
اعلام الأقليات/ منظمة دعم الاعلام المستقل الIMS
كيف تواجه أمهات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ضغوطات الحياة
“العجمية” تواجه مخاوف أمهات ذوي الاحتياجات الخاصة
م / تخصيص مبالغ مالية للعوائل النازحة…
السبب الأكبر لهجرة الأقليات في العراق الكاردينال لويس روفائيل ساكو
كلية الفارابي الجامعة تقيم ندوة علمية بعنوان ( صور الارهاب في وسائل الاتصال)
علوم غيّبتها الحواضر واستحضرها غرب المحافل العلمية وشرقها
أيها الراقصون أمام اللجان
اطلاق مهرجان دمشق الدولي للخيول العربية في العاصمة
جمعية الجواد العربي الاصيل تطلق مهرجانها ضمن فعاليات معرض دمشق الدولي
قصيدة الشاعرة د.مي مراد التي القتها في معرض دمشق الدولي ضمن مهرجان الخيول العربية
طاولة الآتحاد الآوربي المستديرة
توقيع اتفاقية بين جائزة Elite ومركزACT
جميعنا نغرد خارج السرب
روضات العدالة تسابق الألم وصولا إلى خط الأمل
البياتي يلتقي ممثلة مجلس الامن الدولي السيدة ( بنكورا )
المازني يؤكد أن كتلته صوتت على قانون برفض تدخل الكونغرس الأميركي
اﻻسدي…. اﻻموال المخصصة لميزانية الحشد الشعبي غير كافيه
وزارة الصحة تطلق الدورة الثانيه من المعرض التجاري للرعاية الصحية .
32 سنة سجن عقوبة الـ (like) على صورة ملك تايلاند
فريق اطباء بلا اجور في ذي قار يُقدم الخدمات المجانية
د. سحرأحمد علي الحارة….إنهم “أطفال” برسم الغرب المتصهينين
الحاج شاكر اسطورة آمرلي البعيد عن الاعلام
قيادة شرطة الانبار تحرير منطقتين جديدتين في جزيرة هيت
في الذكرى الثانية لفاجعة الآيزديين نائب رئيس مجلس النواب آرام شيخ محمد ينتقد حكومتي الأتحادية والأقليم لأهمالهم أعادة الأعمار والحياة لقضاء شنكال
أ.عصام الجبوري يقوم بجولة استطلاعية على قصر الاونيسكو
صوم مبارك
منع الطلاب السعوديين في أستراليا من ارتداء الزي الوطني
شاكرجودت الشرطة الاتحادية تقتل 935 ارهابيا
كهرباء ميسان تعلن انجاز أعمال مشروع استحداث مغذي الاستقلال (11 ك.ف)
البيشمركة تصدت هجوم لتنظيم “داعش الارهابي
دعوة للتحرك والمطالبة بإلغاء جامعة الدول العربية …..
قصيدة عيناك بقلم الشاعرة والاعلامية د.مي مراد
اعداد النازحين من نينوى والحويجة وصلت الى (125) الف نازح وعودة اكثر من مليون ونصف المليون الى مناطقهم المحررة
نقيب المحامين العراقيين تهنئ الصحفيين بعيد الصحافة
استفتاءات

رأيك بتصميم الموقع

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
تابعونا على الفيس بوك