العمل والفن

إن العمل الوحيد والأساسي للفن وفاقًا للمذهبية الأخلاقية هو أن يكون خادمًا للأخلاق، فالفن الذي لا يعزز التأثير الأخلاقي المطلوب ينظر إليه من قبل الأخلاقيين بريبة وحذر وأحيانُا بمقاومة لوجوده.لأن الفن يزرع في نفوس الناس آراء غير تقليدية،ويحطم القوالب المحلية التي تربت عليها، إنّه يقلق طالما أنه يميل إلى التأكيد على الفردية بدلُا من التكيّف مع آراء ومعتقدات الآخرين. وغالبُا ما تبتدع الأعمال الفنية نتيجة للثورة أو التحرر من الأوهام ومن النظام المفروض. لذلك فقد ينسف الفن المعتقدات والمواقف التي يظن بأن عليها تقوم مصلحة المجتمع وفلاحه. ولذلك ينظر إليه بإرتياب من قبل حرّاس التقاليد. وعندما لا يؤثر الفن أخلاقيُا على الناس فيعتبر الناس عندئذ كباعث على لذة لا تضر ويمكن تحملها إذا كانت لا تأخذ وقتًا كبيرًا من المتذوق. ولكن عندما يعزز الفن التساؤلات والشكوك ويتحدى المواقف المفروضة ينظر إليه كعمل غادر وهدّام. ولا يتم قبول الفن إلا إذا كان يدعم الإعتقادات الأخلاقية والمواقف المعتمدة من قبل منظري الأخلاق. وهكذا تبقى المذهبية الأخلاقية للفن وجهة نظر تعتمدها الجماهير وبشكل خاص عندما تكون خاضعة لسيطرة ونفوذ ديانة ما أو عقيدة سياسية. وكلما كانت أمة من الأمم أو ثقافة من الثقافات خاضعة لمذهبية مسيطرة أكانت أخلاقية أم دينية أم سياسية، كلما كان حكام هذه الأمة يميلون إلى تعزيز هذه المذهبية بأي ثمن.فيكون الفن أحد ضحايا هذه العملية . لنأخذ هنا الأعمال الأدبية لأن علاقة الأدب بالأخلاق أوضح علاقة بالنسبة إلى باقي الفنون. فالأعمال الأدبية يمكنها تعليم دروس أخلاقية ثمينة بواسطة العرض الواضح ومن الأنواع التي تركز على الدروس الأخلاقية الأدب الوعظي أو التعليمي ككتاب «أدب الحياة» للفيلسوف كمال جنبلاط . ولعل قوة الأدب تكمن في مقدرته الفريدة على تطوير وإيقاظ ملكة التخيل في النفس . فمن خلال الأدب يحمل القارئ إلى ما يتعدى حدود عالمه الذي يسكنه معظم الناس إلى عالم من الأفكار والمشاعر أكثر عمقًا وتنوعًا ومن خلال هذا التمرين للمخيلة الوجدانية يقوم الأدب بتقريب الناس بعضهم من بعض بدلا من تفريقهم .وهكذا يهدف الأدب إلى توحيد الجنس البشري كما أنه يكشف عن الطبيعة الإنسانية الواحدة الموجودة في كل فرد وراء واجهة ونقاب العقائد التقسيمية والإيديولوجيات السياسية والمعتقدات الدينية. وليس من الضرورة أن يقدم لنا الأدب نسقا أخلاقيا كي يعطينا التأثير الأخلاقي وربما تكبر قوته الأخلاقية وتعظم عندما لا يقدم لنا انساقا بل اناسا يقومون بالعمل. ومن خلال تمرين المخيلة يصبح بإستطاعة القارئ ان يرى عاداته وفلسفاته كما يرى عادات وفلسفات هؤلاء الناس موضع العمل الأدبي . إن الفن هو الذي يزودنا بأشد وأحدّ الإختبارات الإنسانية المتاحة وأكثرها تركيزًا ولهذا السبب يمتلك الفن تأثيرًا هائلًا على أنماط الحياة الإنسانية. فتأثيره أقوى من أي نسق أخلاقي بكل تأكيد. ومن جراء قدرته هذه يمكننا القول أن لديه تأثيرا أخلاقيا على حياة الإنسان. وإذا كانت الأخلاقية تتجاوز في مفهومها بعض الأنساق الخلقية فالفن أيضا بكونه التأثير الطاغي للكثيرين في حياتهم يتسامى بهم أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *