صوت من الجيل الثالث ليهود العراق

بواسطة » الوقت \ التاريخ : عدد المشاهدين : 410 views » طباعة المقالة :

 

الدكتور سعد سلوم

إعادة قراءة تاريخ الطائفة اليهودية في العراق(٨)

لعلّ أبرز أصوات الجيل الثالث من يهود العراق أو جيل “روح جديدة”، هو الشاعر والناشط “آلموج بيهار” الذي ولد في العام 1978، صدرت له كتب ومجموعات شعرية، جميعها حظيت بترجمة عربية وترجمات للغات أجنبية.
يحتل قلق الهوية بسبب مركب تكوينها من ثقافة شرقية-عراقية تنتمي اليها عائلته، وما واجهه من تمييز داخل المجتمع الاسرائيلي مكانة مركزية في كتاباته. وان كانت كتاباته نوعا من الاحتجاج السياسي والثقافي المؤسس لثقافة مناوئة للانتهاكات والتمييز، فإن نشاطه الاحتجاجي يتساوق معها ضد سياسات الحكومة الاسرائيلية التمييزية ومن ضمنها جدار الفصل العنصري.
يروي “آلموج بيهار” قصته الشخصية في كتاباته، قصة اليهودي العربي الذي يواجه التمييز ممزقا بين الماضي والحاضر، فما يميز “بيهار” هو هذه الهوية المميزة التي يكشف عنها مظهره، قبل كل شيء سوف يصطدم بـ “المظهر” والوجه الذي يظهره للعالم، فعندما يتنقل الى القدس وعندما يصادف عمليات تفتيش للشرطة، لا يتم التعرف دائما عليه وعلى الفور كيهودي، ولكنهم يعدونه عربيا، وعندما يريد أن يذهب إلى ناد ليلة الجمعة فإنه غالبا ما سيواجه مشكلة مماثلة .
لذا وجد حلا، اذ بدأ يحلق وجهه مرتين في اليوم، وأحيانا أكثر، مثل هذا الحل سبب الحزن له، اذ انه يشبه حلاقة ظله “المزراحي” مرارا وتكرارا حتى يمكن أن يكون يهوديا. يقول بيهار “بمعنى ما يبقى المظهر الخارجي حتى بعد المحو الثقافي، اذ ان من المستحيل اخفاء أو محو ذلك، حتى لو حاولت وقد حاول البعض فعل ذلك، لكن في النهاية انت تنظر لتشاهد في المرآة وجه جدك ووجه جارك العربي”.
وهناك قصص لاتقل قسوة في المحيط العائلي، فوالدته هاجرت من العراق عندما كانت في الخامسة. وفي أحد الايام جاء المعلم إلى منزلها وطلب من جده وجدته التوقف عن التكلم معها بالعربية. استجابت امه لذلك، وبدأت بالاجابة عليهما بالعبرية، لكنهما مع ذلك ظلا يتحدثان العربية، ذلك- وبحسب بيهار- سبب انكسارا في هوية الجيل السابق، جيل أجداده. الجيل الذي اختار الصمت حتى يتمكن الأطفال من المضي قدما في الذوبان في ثقافة أخرى.
أما أمه فقد كانت العملية برمتها بالنسبة لها نوعا من التأقلم مع التطور في إسرائيل. فقد انتقلوا من خيمة إلى كوخ، من كوخ إلى مشروع الإسكان، ومن الاخير إلى منزل خاص بهما. ولكن جده، كان له رأي مختلف تماما. رأى كل شيء يتدهور من حوله بالمقارنة مع حياته السابقة في بغداد؛ وقد اخبرت “بيهار” والدته كيف مات جده مكسور الفؤاد عندما رأى الوضع الذي اصبحوا يعيشون عليه بعد ان تم تهجيرهم من بحبوحة العيش في العراق.
نما داخل “بيهار” شعور بانفصام أكبر بين الأجيال، عندما شاهد جدته في الاشهر الستة من حياتها تنسى العبرية و تتكلم فقط بالعربية، لم يتمكن حينها من التحدث إليها. وسبب له ذلك انكسارا، مثل هذه المشاعر دفعته للخوض مجددا في التراث الثقافي لاسلافه.
وتختصر قصيدته “عربيّتي خرساءُ” هذه الازمة الوجودية لتصدع بين الماضي والحاضر وبين الشرق والغرب وبين العربية والعبرية :

عَرَبيّتي خرساءُ
غاصَّة
تسُبُّ نفسها
دون أن تتفوّه بكلمة
:::::::::::::::::::

عربيّتي خائِفةٌ
تتنكّر بصمتٍ للعبريّةِ
وتهمسُ للأَصدقاء
مع كلِّ طرقةٍ على أبوابها:
“أهلاً أهلاً”.
وأمام كل شرطيٍّ يمرُّ في الطريق
تبرزُ هويّةً
تشير إلى البند المدافع:
” أنا من اليهود ، أنا من اليهود”.

وفي سياق متصل تختصر قصته “انا من اليهود” صراع الهوية، والانتفاض ضد الصمت في الجيل القديم الذي سبب انكسارا ومحوا لثقافتهم، وتعبر عن انتماء قوي لروح جديدة تعيش صحوة هوية أو تتمرد على عالم كاتم للانفاس.
تعبّر “أنا من اليهود” بوضوح وبطريقة مباشرة عن قصة “بيهار” نفسه بوصفه يهوديا عربيا من أبناء الجيل الثالث من اليهود الشرقيين المهجرين الى اسرائيل، هو لا يتحدث العربية التي كان اجداده يتحدثونها في “بغداد”. ويعيش في مجتمع تهيمن عليه ثقافة اليهود الأوروبيين الاشكنازية، وتنطوي القصة على انتفاض على مهيمنات هذه الثقافة، ورفضا كامنا لاحتقارها ثقافة اليهود العرب بوصفها ثقافة من مستوى أدنى، فالقصة تتداخل مع حياة “بيهار” في الحاضر كما مع حياة اجداده، بل هي القصة ذاتها، قصة والديه كما يقول، ولهذا اختار لقصته عنوانا بالعربية (انا من اليهود).
“ألا تميزان قصتكما هنا؟! ومع كل ذلك لقد علمت الإجابة من صمتكما. الآن فقط حاولت أن أكتب القصة بالنطق العربي” ففي النهاية هما يعانيان التمزق نفسه “خذوا قصتي واقرأوها، يا أمي، يا أبي، اقرأوا قصتي التي أخفيتها عنكما سنوات طويلة، فأنتما تعانيان نفس الشتات، نفس الصمت، نفس الشعور بالغربة بين القلب والجسد، بين التفكير والنطق”
ولكونها ناقلة للقيم ومعبِّرة عن الثقافة والحياة الاجتماعية، فقد شكِّلت اللغة عاملا حاسما في تكوين الهوية، للفرد كما للجماعة، وانبعاث مارد التمرد اللغوي على الثقافة المهيمنة من رماد الماضي، يمثل ارتدادا للثقافة الاولى، فالانسان يظل سجين ثقافته الاولى، حسب الانثربولوجي الفرنسي “ليفي شتراوس” مهما حاول المضي في تحولات جديدة، ومثلما يتجسد ذلك في الفرد، فإنه يترجم على صعيد هوية الجماعة، لذا كان تموز (شهر التحول) يحمل طابعا زمنيا ارتداديا، ففي شهر تموز الاله، آله الخصب والنماء في اسطورة الخلق البابلية حصل الحدث العجائبي الاهم الذي سيقدم فيه بيهار قصة تنطوي على خيال شعري مثير، إذ يستيقظ ليجد نفسه يتحدث لغة اجداده (العربية) في تحول للهوية او انبعاث مفاجىء لها، كما تحول غريغور سامسا بطل كافكا في قصته الشهيرة (المسخ) الذي استيقظ ذات صباح ليجد نفسه قد تحول الى حشرة عملاقة، “انقلب لساني، وبحلول شهر تموز التصق بسقف حلقي، ثم بدأ يتزحلق بعيدا على صفحة الحلق حتى وصل إلى النطق العربي. وبينما كنت أسير في الشارع، ارتد إلي النطق العربي الذي كان يتلفظ به جدي أنور”.
وأخذ ينطق الحروف مثلما كانت امه تفعل، واضطررت لتجنبه لكي تنال رضا مدرسيها وتتبع نصائحهم في المدرسة لكن محاولاته لم تنجح من الهرب من الماضي.
وكان قد سبق لـ”شمعون بلاص” ان تحدث في فيلم “أنس بغداد” لسمير جمال الدين عن عودة معطيات الثقافة الاولى مهما حاولت الهرب منها أو كبتها، كانت اشبه بانتقام للماضي عبر اقوى ادواته “اللغة”، كانت ثأر اللغة ضد محاولة محوها او نسيانها، فحين اراد “بلاص” قسر ذاته على التطابق مع هوية ولغة الدولة الجديدة، فانغمس في تعلم العبرية وحاول نسيان العربية، صحا ذات يوم ليجد نفسه غارقا في فيضان من اللغة العربية، ثأرت العربية منتفضة من ذاكرة لا يسهل ترويضها.
انتقام اللغة في قصة “بيهار” يتحول من مأزق شخصي وجودي الى (وباء عام) يشمل الجميع من اليهود الشرقيين والغربيين على السواء، اذ انتقلت العدوى في البداية الى زوجته التي “ظهر على شفتيها خليط من نطق يمني ترجع أصوله لأبيها، ونطق اسطنبولي يرجع في أصوله لأمها”. وبعد ذلك اخذت طرق النطق القديمة تخرج للنور، بعد أن ظنوا أنها اختفت، وحتى اليهود الغربيون اخذوا يستعيدون لكناتهم البولندية، والمجرية، والرومانية، والألمانية، والأوكرانية.
على مستوى آخر، فإن لحظة الارتداد لمعطيات الثقافة الاولى، تترجم على مستوى سياسي بكونها لحظة نبوءة، لحظة مفصلية في مستقبل مقبل، تحذير من غد تعود فيه هويات فرعية مقموعة لتمثيل نفسها مجددا في خصوصية عائدة، ليست لحظة صحوة هوية او انبعاث للماضي بقدر ما ستكون لحظات احتضار لسياسة الادماج القسرية وانكار الثقافة العربية اليهودية في اسرائيل، وعودة للاصوات التي ارغمت على الصمت خلال العقود الماضية.
إنها قصة عن الهوية المتصدعة بين الماضي والحاضر وبين الشرق والغرب، وهي قصة ليس لها نهاية على ما يبدو “نهر دجلة لا يقسم مدينة القدس، وهدير مياهه لا يسكت الحدود المفروضة علينا، الحدود التي تفصل بيني وبين نفسي، لا أنا هنا ولا أنا هناك، لست شرقيا ولا غربيا، لست صوت الحاضر، ولا صوت الماضي، ماذا ستكون النهاية؟”

1

التعليقات :

اكتب تعليق

السودان يطلق سراح معتقلي الاحتجاجات
الاتصالات.. حملات مستمرة لرفع التجاوزات على الشبكة الضوئية في كركوك
رئيس الجمهورية يؤكد خلال استقبال رئيس تحالف النصر اهمية تفعيل العمل التشريعي والتنفيذي
وزارة الصناعة تقيم مؤتمرها الخامس لجمعية مصنعي السمنت في العراق
أنضمام العراق للمنظمة الدولية لهيئات اﻻوراق المالية
المشروع لشركة اينرو كروب (enro grop)
الاعلام وتحديات التنوع الديني في العراق
هل فكرت إسرائيل في ضرب مصر نوويا؟ وثائق سرية تكشف المستور
“مبادرة لجمع الشمل” في السودان.. والمظاهرات مستمرة
زواج مصري “ملكي”.. ابنة آخر ملوك مصر تدخل عش الزوجية
“قمة الغياب” في بيروت
الشاعرة والإعلامية هويدا ناصيف تكرّم الفائزين في بطولة كأس العالم للمبدعين العرب في لندن
هل تبحثين عن مشروع صغير تستطيعين من خلاله إيجاد فرصة دخل لكي؟
زيارة وفد الاتحاد الدولي لاعلام الاقليات وحقوق الانسان الى ديوان الاوقاف بمناسبة اعياد الميلاد وراس السنه الميلادية
شبكة إعلام المرأه العربية تختار د/ ثريا البدوى أفضل استاذه جامعية فى 2018
البشير: مشاكل السودان الاقتصادية تحتاج لصبر وحكمة
أوامر ملكية سعودية بإعادة تشكيل مجلس الوزراء
“خطة عسكرية روسية” لسحق الغرب بدون رصاصة واحدة
محاضرة عن قانون الاحوال الشخصية بجمعية المرأة العمانية بصحار
لجنة منطقة بيرسفي لاتحاد النساء الاشوري توزع هدايا اعياد الميلاد للأطفال
شاكر جودت :الاتحادية تحقق نجاح عملية التفاف من منطقة قضيب البان باتجاه المدينة القديمة وتتوغل 200م
وزير الموارد المائية د. حسن الجنابي يلتقي الوفد المرافق له محافظ ميسان علي دواي وأعضاء الحكومة المحلية في مبنى المحافظة
معركة الموصل …. معركة أستزاف
راعي كنيسة مار يوسف الاب بيوس قاشا يهنئ السيدة أن بلبول
علي المالكي : يدعو المواطنين الزائرين ڵـهٍ بالتحلي والصبر والعزيمة اتجاه التفجيرات التى استهدفت المواطنين اﻻبرياء
حسين الفﻻحي….. بين اصدارة الجديد
العبادي يعقد اجتماع فوري برئيس مجلس محافظه البصره واعضائه
كشف خدعة ابتسامة “الموناليزا”
رئيس مجلس محافظة بغداد رياض العضاض يلتقي بالسفير اﻻمريكي في بغداد
مؤسسة التمار الخيرية تنسق مع مستشفى ايرا الهندي لعلاج الايتام وذوي الشهداء
السلطنة تدخل موسوعة جينيس بأكبر طبق حلوى
من مدينة تكريت…الدكتور الجبوري سنعمل على توفير الخدمات للعوائل التي عادت ونسهل عودة العوائل النازحة
حنين قدو يتلقي وزير الرياضة والشباب
حمدية الحسيني تدعوا الى توفير الحماية القانونية لمتطوعي الحشد الشعبي الذين لبوا نداء المرجعية الدينية العليا في الدفاع عن اراضيهم
برق عينيك
قصيدة “لتبين هلالك ” للشاعر العراقي الشاب احمد الشمري
وزير العدل: الاتحاد العربي للتحكيم الدولي سيساهم في إشاعة ثقافة التقاضي الدولي
حزب الدعوة الاسلامية في بيانها حول الأحداث المؤسفة الاخيرة
الصالحي يلتقي نوشيروان مصطفى
استفتاءات

رأيك بتصميم الموقع

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
تابعونا على الفيس بوك