الطائفية في عراق ما قبل ٢٠٠٣ ودور التعليم في ازالتها من النفوس

بواسطة » الوقت \ التاريخ : عدد المشاهدين : 354 views » طباعة المقالة :

 

image

الطائفية في عراق ما قبل 2003 ودور التعليم في إزالتها من النفوس

بقلم د. عباس الإمامي 

بدءا لا مستقبل للعراق بدون دولة تقوم على أساس التوازن العادل بين حفظ حقوق المواطن والواجبات الملقاة على عاتقه بعيدا عن الطائفية والفساد والفوضى الخلاقة وغير الخلاقة من ناحية، ومن ناحية أخرى أن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب حسب الاختصاص بعيدا عن الإنتماءات الحزبية والطائفية والقومية والمكانية وغيرها من الإنتماءات الخاصة.
وإن الحل لا يأتي الا من خلال  تشخيص الواقع بدقة وموضوعية.
فالطائفية لم تنزل علينا فجأة عام ٢٠٠٣ من عالم الغيب، بل هناك ثمة إشارات كثيرة على وجود مشكلة طائفية ما زالت تعترض تحقيق مفهوم المواطنة الصالحة في العراق منذ الأيام الأولى لتشكيل الدولة العراقية الحديثة.
ولنقرأ بعض ما قاله مؤسس الدولة العراقية الحديثة في هذا الصدد، حيث يقول الملك فيصل الاول : “العراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية، تحكم قسما كرديا وأكثرية شيعية جاهلة”. ( د. عبد الرحمن البزاز، العراق من الإحتلال الى الإستقلال، ص ٢٣١ ).

ويقول كامل الچادرچي : “كان نوري السعيد طائفيا، وكان يريد أن يجعل أبناء الجنوب الشيعة عمالا ماهرين ليس إلا”. ( رفعت الچادرچي، صورة أب، ص١١٦) .

ويقول عبد الكريم فرحان عضو المجلس الوطني لقيادة الثورة : “إن عبد السلام عارف طلب منهم باجتماع للمجلس إرسال ٤٢ طالبا للدراسة في الكلية الفنية العسكرية بمصر على أن يكونوا من السنة”. ( حصاد ثورة، ص١٣٧) .

ويقول عبد الجبار محسن سكرتير صدام وكاتب بيانات الحرب العراقية – الإيرانية في مقابلة مع قناة الشرقية : “إن الشيعي في زمن صدام كان متهما ليس حتى تثبت براءته ولكن حتى يجدوا له تهمة” (نقلا عن حديثه في القناة المذكورة).

ولو شاء أي باحث منصف لتمكن من أن يسرد مئات النصوص الأخرى في الطائفية السياسية التي بقيت كإرث طبيعي من الدولة العثمانية، وترسخت مع بناء الدولة الحديثة في العراق، فمن أراد فليراجع “مشكلة الحكم في العراق” للسيد عبد الكريم الأزري مثالا، وهناك عشرات المصادر المثبتة للطائفية السياسية في العراق٠ 

فالعراق حكمته الطائفية منذ تأسيسه، وهذا أمر طبيعي، ما دمنا دولة عالم ثالثية، تحكمها قيم ما قبل الحداثة، أو بالأحرى قيم القرون الوسطى. وهذا ناجم عن فشل الدولة الحديثة في العراق في إدارة التعدد وغرس الإحساس بمفهوم المواطنة الصالحة في صفوف العراقيين.

يقول صلاح الدين البيطار: “لا زلنا أفرادا وطوائف وعشائر لم نصل درجة المواطنة بعد، أما المجاملات والشعارات والدعوات الى عدم مناقشة أوضاعنا بتجرد وموضوعية فهذه لن تبني وطنا ولن تحل مشكلة، والشعوب المتقدمة لم تنهض الا عندما وضعت اصابعها على جروحها بروح علمية شفافة”٠ (جعفر الحسيني، من مقال بعنوان: عندما يكون الملحد طائفيا).

وهذا الأمر هو نفس ما ردده محمد سرور زين العابدين (من كوادر الأخوان المسلمين السوريين، كان لاجئاً سياسياً في العراق، غادر العراق بعد الحصار إلى بريطانيا حيث يقيم لاجئاً سياسياً) في كتابه الذي أصدرته المخابرات العراقية عام 1985 الموسوم: (وجاء دور المجوس)، حيث يقول: (ليس في عقيدتهم أصول تمنعهم من المحرمات أو تردعهم عن فعل المنكرات) (ص 223).
ويجدر ذكره أن هذه الطائفية السياسية في الدولة العراقية الحديثة هي إرث طبيعي من الدولة العثمانية، وبهذا الصدد يقول د. علي الوردي: (تعد مذابح عام 1860 من أفظع المذابح الطائفية في تاريخ الدولة العثمانية، ففي خلال أسابيع قليلة كان أكثر من ستين قرية مسيحية في منطقتي الشوف والمتن قد تحولت إلى رماد، وفي حاصبيا كانت التعليمات تقضي بأن لا يبقى أي ذكر مسيحي بين السابعة والسبعين حياً) (لمحات اجتماعية، ج2/ص52).
وعليه فمن أجل بناء دولة في العراق تقوم على أسس العدالة والتوزيع العادل للسلطة والثروة بين المحافظات العراقية ومدنها ينبغي القضاء على الطائفية السياسية في العراق، ولا يمكن القضاء على ثقافة الطائفية ما لم يقم جهاز التعليم بدوره الأساس في هذا المجال.
لذلك يلاحظ المتابع ان التعليم لعب دورا في تنامي المشاعر الطائفية وبثها في النفوس في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية، ولم توفق أجهزة ومناهج التربية والتعليم في غرس مفهوم المواطنة الصالحة في نفوس أبناء الشعب العراقي، بل أكثر من ذلك؛ أن أبناء الجنوب لا يعرفون عن أهل الشمال من العادات والتقاليد وغيرها وكذا العكس، ولا يعرف أهل الجنوب والشمال عن أهالي المنطقة الغربية وكذا العكس، حتى الشاب العراقي يكمل دراسته الجامعية ولا يعرف جغرافية غالبية المدن العراقية من الأقضية والنواحي، بل تجد غالبيتهم لم يكونوا يعرفون عن المكونات الإجتماعية للشعب العراقي، وهذا لمسناه واقعا. وهذا اليوم وأنا اكتب هذه الكلمات كنت أستمع في ندوة خاصة للشيخ د. خالد الملا “رئيس جماعة علماء أهل السنة والجماعة في جنوب العراق” وهو يتحدث فقال بالنص: “أني لم اسمع ولم ألتقي طيلة حياتي بشخص ينتمي إلى المكون الشبكي في العراق إلا حينما التقيت بهم في الحشد الشعبي في الأيام الأخيرة” فإذا كان حال المتعلمين هكذا فكيف بغير المتعلم!!!، وللعلم أني لا أعاتب الرجل مطلقا، بل أعطيه الحق كاملا لأن مناهج التعليم لم يعلمه في مراحل التعليم المختلفة، إضافة إلى السياسة القمعية التي كانت متسلطة على رقاب الشعب لإيجاد بعد نفسي بين مكونات المجتمع المختلفة، فلم توجد السياسة الطائفية الحاكمة مجالا للتعارف بين أفراد المكونات.
ومن هنا برزت عقب التغيير الذي حدث في عام 2003 ضرورة ملحة لتعديل مناهج التعليم، بدءا من المرحلة الإبتدائية وحتى نهاية السنة الدراسية الجامعية، بحيث تساهم في إزالة المشاعر الطائفية، وغرس الإحساس بالمواطنة الصالحة في صفوف العراقيين، وينبغي أن يتم إحياء وترسيخ هذا الإحساس بشكل عملي بعيدا عن منهج المحفوظات الذي كانت المدارس تنتهجه في تعليم الطلاب سابقا – وقد عشنا تلك المرحلة بحيث كانت مادة “الوطنية” أزعج وأصعب درس لنفوسنا لكون المادة الدراسية مادة جافة لم نكن نفهم منها شيئا غير أننا كنا نحفظها في أذهاننا لعبور الإمتحان فقط لا غير من دون أن نشعر من الوطنية شيئا – .
إضافة الى ذلك، ينبغي الإعتناء أيضا بتوجيه طلاب مرحلتي الماجستير والدكتوراه بتهيئة بحوث إجتماعية وسياسية وتاريخية وقانونية ونفسية وغيرها من جوانب الحياة المختلفة عن واقع المجتمع العراقي وماضيه لبناء مستقبل يقوم على أسس الإحترام المتبادل بين المكونات الاجتماعية للشعب والاعتراف بالآخر من ناحية، ومن ناحية أخرى يؤسس لبناء أسس العدالة واحترام القيم الإنسانية ويبين حقوق المواطنة وكيف يصل لها المواطن، ليؤدي واجباته الملقاة على عاتقه براحة ضمير واخلاص. 
فإن الإنسان العراقي تعود منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة أن يقوم بالواجبات دون معرفة حقوقه، وكيف يطالب الدولة بها؟.

وتدريس هذه المناهج الدراسية وبواسطة معلمين ومدرسين وأساتذة قديرين يساهم في إنتاج أجيال متعلمة يعرف الفرد فيها حقوقه المترتبة على الدولة كما أنه يتعرف على الواجبات الملقاة على عاتقه بالتوازي مع ذلك، على اعتبار أن الحقوق والواجبات الوطنية توأمان لا ينفصلان، وإذا انفصلا بعضهما عن الآخر استحكم الإستبداد والرأي الواحد.

ولا يمكن تحقيق هذا الأمر ما لم تكن الدولة ثابتة مهما جرت التغيرات في الحكومة، وعلى رأس عوامل ثبات الدولة أن يكون الموظف في الدولة مستقلا عن الأحزاب السياسية، بل يجب أن يمنع من أن يستغل منصبه لمآرب تخدم حزبه السياسي، ويؤخذ منه تعهد قانوني ‘يعاقب المخالف بأشد العقوبات’ بأن يكون عادلا ومواظبا بدوامه ومطبقا للقانون على الجميع بسواسية في أداء وظيفته الإدارية.

وهذا الموضوع بحاجة إلى تقديم بحوث ودراسات، وتنظير، والى رجال أقوياء يؤسسون لهذا العمل الوطني الهام من أجل بناء عراق خال من الإستبداد والطائفية السياسية.
والله من وراء القصد
.

1

التعليقات :

اكتب تعليق

المرجع الخالصي يدعو الشعب العراقي لتخليص البلد من فتنة العملية السياسية التي رسمها الاحتلال
مربي الأجيال يحتضن التلاميذ المشاركين في فعاليات مهرجانها الربيعي
الاعلاميات والمفوضية يعلنان نتائج استطلاع ترشيح المراة للانتخابات والنتائج تعكس وعيا مجتمعيا باهمية المشاركة وتراجع بغداد مدنيا وتقدم البصرة
(بالحب والحنان نرتقي باطفال التوحد في العراق) أحتفالية في دار الازياء العراقية
الممثل الأممي الخاص يُدين الهجوم الإرهابي الجبان في هيت
الذكرى ال38 لتهجير الكورد الفيليه
ضبط مواد مخدرة في منفذ الشيب الحدودي
مكتب المفتش العام لوزارة التربية ينجز تقريره السنوي لعام ٢١٠٧
محافظة بغداد : انطلاق اسطولا من الأليات لتقديم الخدمات في الزيارة الرجبية
ضبط مواد مخدرة في منفذي زرباطية والشيب
الخطوط الجوية العراقية تعلن نقلها (16،222) معتمر للديار المقدسة
الكمارك … ضبط مسافر ايراني بحوزته مادة مخدرة (الكرستال )
المرجع الخالصي: اغلب الشعب العراقي الآن ضد الانتخابات وضد العملية السياسية المزيفة.
موظفو دار ثقافة الاطفال يحتفون بتسنم منصب مديرها 03/4/2018 2:06 بغداد / نضال الموسوي 3/4/2018
مفوضية ميسان تعقد ورشة تثقيفية لممثلي الاحزاب والمنظمات حول نظام الحملات الانتخابية و توزيع المقاعد
بلدية النجف الاشرف : المباشرة قريباً بتأهيل ثلاث شوارع رئيسية في المدينة
رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي يتوجه الى اليابان  
منتدى الاعلاميات العراقيات (iwjf) يفتح باب المنح الصغيرة للمنظمات ويستعد لاطلاق استطلاعه بالتعاون مع مفوضية الانتخابات
الصيهود يطالب بتوفير الخدمات في المناطق الزراعية بقضاء علي الغربي
(( هات يدك … لنفرح معا))
“مقطع إباحي” يهز البرلمان المصري
آرام شيخ محمد، يؤكد بأن حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل حق مكفول دستوريا ولكنها خطوة غير كافية بغياب التشريعات القانونية والواقع الأمني الصعب
حضر النائب الدكتور فارس البريفكاني رئيس لجنة الصحة والبيئة النيابية اجتماع لممثلة الأمين العام للأمم المتحدة السيدة بانفورا في مجلس النواب العراقي
معاً نصنع حياة أفضل للطفل أليتيم
امرأة تقرأ ولولة الريح
الموسوي يتابع المنظومة الأمنية في ذي قار
صلح وتسوية بين الخويلدي والوادي
نوبل للسلام من نصيب العرب
“الحب في بيروت” يتخللها أمسية خاصة للشاعر مهدي منصور ومعرض فنون تشكيلية
كلهم كانو هنا….
رحلة مرعبة على متن طائرة كويتية
ميناء أم قصر يستقبل اربع بواخر
لجنة نازحي اﻻنبار تبدأ بتنظيف جامعه اﻻنبار
 عمليات الرافدين تلقي القبض على عدد كبير من المطلوبين ضمن قاطع عملياتها
بالفيديو: 126 قتيلا إثر الهجمات الإرهابية في باريس .. وفرنسا تعلن حالة الطوارئ
​رئيس البرلمان يستقبل رئيس حزب الفضيلة ويستعرض معه ابرز مستجدات المشهد العراقي
رئيس البرلمان يستقبل وفد مركز الرافدين للحوار ويستعرض معهم ملف الاصلاح البرلماني والمعوقات التي تواجهه
كندية تفوز بجائزة أفضل معلمة في العالم وقيمتها مليون دولار
رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي يترأس اجتماعا للجنة الطاقة الوزارية
التجارة : الاعتماد على المنتوج المحلي من مادة السكرلتجهيز مفردات البطاقة التموينية
استفتاءات

رأيك بتصميم الموقع

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
تابعونا على الفيس بوك