الطائفية في عراق ما قبل ٢٠٠٣ ودور التعليم في ازالتها من النفوس

بواسطة » الوقت \ التاريخ : عدد المشاهدين : 436 views » طباعة المقالة :

 

image

الطائفية في عراق ما قبل 2003 ودور التعليم في إزالتها من النفوس

بقلم د. عباس الإمامي 

بدءا لا مستقبل للعراق بدون دولة تقوم على أساس التوازن العادل بين حفظ حقوق المواطن والواجبات الملقاة على عاتقه بعيدا عن الطائفية والفساد والفوضى الخلاقة وغير الخلاقة من ناحية، ومن ناحية أخرى أن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب حسب الاختصاص بعيدا عن الإنتماءات الحزبية والطائفية والقومية والمكانية وغيرها من الإنتماءات الخاصة.
وإن الحل لا يأتي الا من خلال  تشخيص الواقع بدقة وموضوعية.
فالطائفية لم تنزل علينا فجأة عام ٢٠٠٣ من عالم الغيب، بل هناك ثمة إشارات كثيرة على وجود مشكلة طائفية ما زالت تعترض تحقيق مفهوم المواطنة الصالحة في العراق منذ الأيام الأولى لتشكيل الدولة العراقية الحديثة.
ولنقرأ بعض ما قاله مؤسس الدولة العراقية الحديثة في هذا الصدد، حيث يقول الملك فيصل الاول : “العراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية، تحكم قسما كرديا وأكثرية شيعية جاهلة”. ( د. عبد الرحمن البزاز، العراق من الإحتلال الى الإستقلال، ص ٢٣١ ).

ويقول كامل الچادرچي : “كان نوري السعيد طائفيا، وكان يريد أن يجعل أبناء الجنوب الشيعة عمالا ماهرين ليس إلا”. ( رفعت الچادرچي، صورة أب، ص١١٦) .

ويقول عبد الكريم فرحان عضو المجلس الوطني لقيادة الثورة : “إن عبد السلام عارف طلب منهم باجتماع للمجلس إرسال ٤٢ طالبا للدراسة في الكلية الفنية العسكرية بمصر على أن يكونوا من السنة”. ( حصاد ثورة، ص١٣٧) .

ويقول عبد الجبار محسن سكرتير صدام وكاتب بيانات الحرب العراقية – الإيرانية في مقابلة مع قناة الشرقية : “إن الشيعي في زمن صدام كان متهما ليس حتى تثبت براءته ولكن حتى يجدوا له تهمة” (نقلا عن حديثه في القناة المذكورة).

ولو شاء أي باحث منصف لتمكن من أن يسرد مئات النصوص الأخرى في الطائفية السياسية التي بقيت كإرث طبيعي من الدولة العثمانية، وترسخت مع بناء الدولة الحديثة في العراق، فمن أراد فليراجع “مشكلة الحكم في العراق” للسيد عبد الكريم الأزري مثالا، وهناك عشرات المصادر المثبتة للطائفية السياسية في العراق٠ 

فالعراق حكمته الطائفية منذ تأسيسه، وهذا أمر طبيعي، ما دمنا دولة عالم ثالثية، تحكمها قيم ما قبل الحداثة، أو بالأحرى قيم القرون الوسطى. وهذا ناجم عن فشل الدولة الحديثة في العراق في إدارة التعدد وغرس الإحساس بمفهوم المواطنة الصالحة في صفوف العراقيين.

يقول صلاح الدين البيطار: “لا زلنا أفرادا وطوائف وعشائر لم نصل درجة المواطنة بعد، أما المجاملات والشعارات والدعوات الى عدم مناقشة أوضاعنا بتجرد وموضوعية فهذه لن تبني وطنا ولن تحل مشكلة، والشعوب المتقدمة لم تنهض الا عندما وضعت اصابعها على جروحها بروح علمية شفافة”٠ (جعفر الحسيني، من مقال بعنوان: عندما يكون الملحد طائفيا).

وهذا الأمر هو نفس ما ردده محمد سرور زين العابدين (من كوادر الأخوان المسلمين السوريين، كان لاجئاً سياسياً في العراق، غادر العراق بعد الحصار إلى بريطانيا حيث يقيم لاجئاً سياسياً) في كتابه الذي أصدرته المخابرات العراقية عام 1985 الموسوم: (وجاء دور المجوس)، حيث يقول: (ليس في عقيدتهم أصول تمنعهم من المحرمات أو تردعهم عن فعل المنكرات) (ص 223).
ويجدر ذكره أن هذه الطائفية السياسية في الدولة العراقية الحديثة هي إرث طبيعي من الدولة العثمانية، وبهذا الصدد يقول د. علي الوردي: (تعد مذابح عام 1860 من أفظع المذابح الطائفية في تاريخ الدولة العثمانية، ففي خلال أسابيع قليلة كان أكثر من ستين قرية مسيحية في منطقتي الشوف والمتن قد تحولت إلى رماد، وفي حاصبيا كانت التعليمات تقضي بأن لا يبقى أي ذكر مسيحي بين السابعة والسبعين حياً) (لمحات اجتماعية، ج2/ص52).
وعليه فمن أجل بناء دولة في العراق تقوم على أسس العدالة والتوزيع العادل للسلطة والثروة بين المحافظات العراقية ومدنها ينبغي القضاء على الطائفية السياسية في العراق، ولا يمكن القضاء على ثقافة الطائفية ما لم يقم جهاز التعليم بدوره الأساس في هذا المجال.
لذلك يلاحظ المتابع ان التعليم لعب دورا في تنامي المشاعر الطائفية وبثها في النفوس في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية، ولم توفق أجهزة ومناهج التربية والتعليم في غرس مفهوم المواطنة الصالحة في نفوس أبناء الشعب العراقي، بل أكثر من ذلك؛ أن أبناء الجنوب لا يعرفون عن أهل الشمال من العادات والتقاليد وغيرها وكذا العكس، ولا يعرف أهل الجنوب والشمال عن أهالي المنطقة الغربية وكذا العكس، حتى الشاب العراقي يكمل دراسته الجامعية ولا يعرف جغرافية غالبية المدن العراقية من الأقضية والنواحي، بل تجد غالبيتهم لم يكونوا يعرفون عن المكونات الإجتماعية للشعب العراقي، وهذا لمسناه واقعا. وهذا اليوم وأنا اكتب هذه الكلمات كنت أستمع في ندوة خاصة للشيخ د. خالد الملا “رئيس جماعة علماء أهل السنة والجماعة في جنوب العراق” وهو يتحدث فقال بالنص: “أني لم اسمع ولم ألتقي طيلة حياتي بشخص ينتمي إلى المكون الشبكي في العراق إلا حينما التقيت بهم في الحشد الشعبي في الأيام الأخيرة” فإذا كان حال المتعلمين هكذا فكيف بغير المتعلم!!!، وللعلم أني لا أعاتب الرجل مطلقا، بل أعطيه الحق كاملا لأن مناهج التعليم لم يعلمه في مراحل التعليم المختلفة، إضافة إلى السياسة القمعية التي كانت متسلطة على رقاب الشعب لإيجاد بعد نفسي بين مكونات المجتمع المختلفة، فلم توجد السياسة الطائفية الحاكمة مجالا للتعارف بين أفراد المكونات.
ومن هنا برزت عقب التغيير الذي حدث في عام 2003 ضرورة ملحة لتعديل مناهج التعليم، بدءا من المرحلة الإبتدائية وحتى نهاية السنة الدراسية الجامعية، بحيث تساهم في إزالة المشاعر الطائفية، وغرس الإحساس بالمواطنة الصالحة في صفوف العراقيين، وينبغي أن يتم إحياء وترسيخ هذا الإحساس بشكل عملي بعيدا عن منهج المحفوظات الذي كانت المدارس تنتهجه في تعليم الطلاب سابقا – وقد عشنا تلك المرحلة بحيث كانت مادة “الوطنية” أزعج وأصعب درس لنفوسنا لكون المادة الدراسية مادة جافة لم نكن نفهم منها شيئا غير أننا كنا نحفظها في أذهاننا لعبور الإمتحان فقط لا غير من دون أن نشعر من الوطنية شيئا – .
إضافة الى ذلك، ينبغي الإعتناء أيضا بتوجيه طلاب مرحلتي الماجستير والدكتوراه بتهيئة بحوث إجتماعية وسياسية وتاريخية وقانونية ونفسية وغيرها من جوانب الحياة المختلفة عن واقع المجتمع العراقي وماضيه لبناء مستقبل يقوم على أسس الإحترام المتبادل بين المكونات الاجتماعية للشعب والاعتراف بالآخر من ناحية، ومن ناحية أخرى يؤسس لبناء أسس العدالة واحترام القيم الإنسانية ويبين حقوق المواطنة وكيف يصل لها المواطن، ليؤدي واجباته الملقاة على عاتقه براحة ضمير واخلاص. 
فإن الإنسان العراقي تعود منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة أن يقوم بالواجبات دون معرفة حقوقه، وكيف يطالب الدولة بها؟.

وتدريس هذه المناهج الدراسية وبواسطة معلمين ومدرسين وأساتذة قديرين يساهم في إنتاج أجيال متعلمة يعرف الفرد فيها حقوقه المترتبة على الدولة كما أنه يتعرف على الواجبات الملقاة على عاتقه بالتوازي مع ذلك، على اعتبار أن الحقوق والواجبات الوطنية توأمان لا ينفصلان، وإذا انفصلا بعضهما عن الآخر استحكم الإستبداد والرأي الواحد.

ولا يمكن تحقيق هذا الأمر ما لم تكن الدولة ثابتة مهما جرت التغيرات في الحكومة، وعلى رأس عوامل ثبات الدولة أن يكون الموظف في الدولة مستقلا عن الأحزاب السياسية، بل يجب أن يمنع من أن يستغل منصبه لمآرب تخدم حزبه السياسي، ويؤخذ منه تعهد قانوني ‘يعاقب المخالف بأشد العقوبات’ بأن يكون عادلا ومواظبا بدوامه ومطبقا للقانون على الجميع بسواسية في أداء وظيفته الإدارية.

وهذا الموضوع بحاجة إلى تقديم بحوث ودراسات، وتنظير، والى رجال أقوياء يؤسسون لهذا العمل الوطني الهام من أجل بناء عراق خال من الإستبداد والطائفية السياسية.
والله من وراء القصد
.

1

التعليقات :

اكتب تعليق

“السترات الصفراء” إلى الشوارع للسبت الخامس على التوالي
ترامب ينحني أمام الصين.. ويتخلى عن أهم مبدأ أميركي
اتفاق يمني يمهد الطريق لحل شامل يحقق رؤية التحالف
مذيع تلفزيوني يحترق على الهواء مباشرة
حقيقة الشرطية الفرنسية التي صرخت: لا تخربوا وطنكم مثل العرب
فرع دهوك للاتحاد النساء الاشوري يستقبل مسؤولة منظمات المجتمع المدني  
اتحاد النساء الأشوري يقدم التهنئة لاتحاد الطلبة والشبيبة الكلدوأشوري بمناسبة الذكرى تأسيسه.
“حبق” للشاعر والفنان سليم علاء الدين يحتفى به في المركز الثقافي الروسي
بمواجهة “السترات الصفراء” ماكرون يغير تكتيكاته.. ويأمر بـ”القبضة الحديدية”
انسحاب قطر من “أوبك”.. تحالفات خبيثة وأسباب خفية
وفاة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب
تفاصيل مروّعة لجريمة قتل المذيع البريطاني بلبنان
غضب واحتجاجات بعد جريمة مروعة بحق فتاة فلسطينية
ثقافة وفن : إفتتاح أول مسرح وسينما مجانية في لبنان
قصر بعبدا يستقبل وفد مدرسة الجمهور الفائز بميدالية ذهبية في معرض إلمانيا
ندوة الأستاذ الزائر (Fullbright) في نقابة الأكاديميين العراقيين
نقابة المعلمين العراقيين تعقد اجتمعها الرسمي… احالة محافظ نينوى الى وفق القانون
بناء البشرة السمراء  أنموذج للتمييز العنصري في العراق
المظاهرات تعم باريس.. والشانزليزيه يتحول لساحة مواجهات
مصر على موعد مع كشف أثري كبير
تهنئة من القلب آلى أخوتنا من الطائفه آلأيزدية بمناسبة رأس السنه ((سري سال))
وزارة التربية بتعاون مع شركة كوكا كوﻻ ﻻفتتاح بطوله الخماسي للكره
مركز جنيف للتحكيم اقام ورشة عمل في العلاقات الدبلوماسية والقنصلية وحقوق الإنسان في الكورال بيتش بيروت
بيان صادر عن المجلس السياسي لأنصار الله
وزير العمل يؤكد على تعزيز ونقل التجربة الى الحكومات المحلية لدعم الفئات المستهدفة
طرد 3 أشقاء مسلمين من طائرة بريطانية
ممثل امين عام الأمم المتحدة السيد يان كوبيش ومعاونوه بغبظة ابينا البطريرك مار لويس روفائيل ساكو والسادة الأساقفة: بشار متي وردة، يوسف توما، نيقوديمس داود شرف، يوحنا بطرس موشي، وموسى شماني ويوسف عبا والاركدياقون عمانوئيل يوحنا ممثل قداسة البطريرك مار كوركيس صليوا والأستاذ خالد البير، مسؤول شؤون المسيحيين في وزارة اوقاف إقليم كوردستان.
زعيم داعش يعاود الظهور بعد سنتين من الاختفاء
وزير الصناعة والمعادن يتفقد الشركة العامة لصناعة الادوية والمستلزمات الطبية في سامراء ويؤكد على ضرورة وضع رؤية وخطة واضحة المعالم لتحويل الشركة الى رابحة خلال عام 2017
عاشوراء في لندن ….
وزير النقل يتفقد ميناء خور الزبير ويحتفل بانتهاء اعمار محطة الادلاء الباخرة شمس
الغريري يطالب الحكومه المصرية والعراقيه باعاده فتح قناه الشعب “البغداديه”
محافظ بغداد يوجه الاجهزة الامنية بتكثيف الحماية في المناطق السكنية للحد من عمليات سرقة المنازل والمحال
جامعة الكوفة تعلن بدء التسجيل لطلبة الاعدادية للفرع العلمي للحصول على شهادة البكالوريوس المشتركة مع جامعة كوين ماري البريطانية
مديرة منظمة اليونسكو تطلق من بغداد حملة لحماية التراث
الجبوري في عمليات صلاح الدين
عدد مهول من النمل يستوطن أذن طفلة هندية
تهنئة من كادرجريدة و وكالة نقطة ضوء الاخبارية الدولية الى اخوتنا من الطائفة الايزيدية الايزيديين بعيدهم عيد(جما)
باشراف كادر ياباني متخصص المباشر لتدريب خريجي الكلية التقنية الهندسية البصرة
أغرب إعلان وظائف في السعودية: مطلوب “سياف”
استفتاءات

رأيك بتصميم الموقع

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
تابعونا على الفيس بوك