الطائفية في عراق ما قبل ٢٠٠٣ ودور التعليم في ازالتها من النفوس

بواسطة » الوقت \ التاريخ : عدد المشاهدين : 410 views » طباعة المقالة :

 

image

الطائفية في عراق ما قبل 2003 ودور التعليم في إزالتها من النفوس

بقلم د. عباس الإمامي 

بدءا لا مستقبل للعراق بدون دولة تقوم على أساس التوازن العادل بين حفظ حقوق المواطن والواجبات الملقاة على عاتقه بعيدا عن الطائفية والفساد والفوضى الخلاقة وغير الخلاقة من ناحية، ومن ناحية أخرى أن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب حسب الاختصاص بعيدا عن الإنتماءات الحزبية والطائفية والقومية والمكانية وغيرها من الإنتماءات الخاصة.
وإن الحل لا يأتي الا من خلال  تشخيص الواقع بدقة وموضوعية.
فالطائفية لم تنزل علينا فجأة عام ٢٠٠٣ من عالم الغيب، بل هناك ثمة إشارات كثيرة على وجود مشكلة طائفية ما زالت تعترض تحقيق مفهوم المواطنة الصالحة في العراق منذ الأيام الأولى لتشكيل الدولة العراقية الحديثة.
ولنقرأ بعض ما قاله مؤسس الدولة العراقية الحديثة في هذا الصدد، حيث يقول الملك فيصل الاول : “العراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية، تحكم قسما كرديا وأكثرية شيعية جاهلة”. ( د. عبد الرحمن البزاز، العراق من الإحتلال الى الإستقلال، ص ٢٣١ ).

ويقول كامل الچادرچي : “كان نوري السعيد طائفيا، وكان يريد أن يجعل أبناء الجنوب الشيعة عمالا ماهرين ليس إلا”. ( رفعت الچادرچي، صورة أب، ص١١٦) .

ويقول عبد الكريم فرحان عضو المجلس الوطني لقيادة الثورة : “إن عبد السلام عارف طلب منهم باجتماع للمجلس إرسال ٤٢ طالبا للدراسة في الكلية الفنية العسكرية بمصر على أن يكونوا من السنة”. ( حصاد ثورة، ص١٣٧) .

ويقول عبد الجبار محسن سكرتير صدام وكاتب بيانات الحرب العراقية – الإيرانية في مقابلة مع قناة الشرقية : “إن الشيعي في زمن صدام كان متهما ليس حتى تثبت براءته ولكن حتى يجدوا له تهمة” (نقلا عن حديثه في القناة المذكورة).

ولو شاء أي باحث منصف لتمكن من أن يسرد مئات النصوص الأخرى في الطائفية السياسية التي بقيت كإرث طبيعي من الدولة العثمانية، وترسخت مع بناء الدولة الحديثة في العراق، فمن أراد فليراجع “مشكلة الحكم في العراق” للسيد عبد الكريم الأزري مثالا، وهناك عشرات المصادر المثبتة للطائفية السياسية في العراق٠ 

فالعراق حكمته الطائفية منذ تأسيسه، وهذا أمر طبيعي، ما دمنا دولة عالم ثالثية، تحكمها قيم ما قبل الحداثة، أو بالأحرى قيم القرون الوسطى. وهذا ناجم عن فشل الدولة الحديثة في العراق في إدارة التعدد وغرس الإحساس بمفهوم المواطنة الصالحة في صفوف العراقيين.

يقول صلاح الدين البيطار: “لا زلنا أفرادا وطوائف وعشائر لم نصل درجة المواطنة بعد، أما المجاملات والشعارات والدعوات الى عدم مناقشة أوضاعنا بتجرد وموضوعية فهذه لن تبني وطنا ولن تحل مشكلة، والشعوب المتقدمة لم تنهض الا عندما وضعت اصابعها على جروحها بروح علمية شفافة”٠ (جعفر الحسيني، من مقال بعنوان: عندما يكون الملحد طائفيا).

وهذا الأمر هو نفس ما ردده محمد سرور زين العابدين (من كوادر الأخوان المسلمين السوريين، كان لاجئاً سياسياً في العراق، غادر العراق بعد الحصار إلى بريطانيا حيث يقيم لاجئاً سياسياً) في كتابه الذي أصدرته المخابرات العراقية عام 1985 الموسوم: (وجاء دور المجوس)، حيث يقول: (ليس في عقيدتهم أصول تمنعهم من المحرمات أو تردعهم عن فعل المنكرات) (ص 223).
ويجدر ذكره أن هذه الطائفية السياسية في الدولة العراقية الحديثة هي إرث طبيعي من الدولة العثمانية، وبهذا الصدد يقول د. علي الوردي: (تعد مذابح عام 1860 من أفظع المذابح الطائفية في تاريخ الدولة العثمانية، ففي خلال أسابيع قليلة كان أكثر من ستين قرية مسيحية في منطقتي الشوف والمتن قد تحولت إلى رماد، وفي حاصبيا كانت التعليمات تقضي بأن لا يبقى أي ذكر مسيحي بين السابعة والسبعين حياً) (لمحات اجتماعية، ج2/ص52).
وعليه فمن أجل بناء دولة في العراق تقوم على أسس العدالة والتوزيع العادل للسلطة والثروة بين المحافظات العراقية ومدنها ينبغي القضاء على الطائفية السياسية في العراق، ولا يمكن القضاء على ثقافة الطائفية ما لم يقم جهاز التعليم بدوره الأساس في هذا المجال.
لذلك يلاحظ المتابع ان التعليم لعب دورا في تنامي المشاعر الطائفية وبثها في النفوس في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية، ولم توفق أجهزة ومناهج التربية والتعليم في غرس مفهوم المواطنة الصالحة في نفوس أبناء الشعب العراقي، بل أكثر من ذلك؛ أن أبناء الجنوب لا يعرفون عن أهل الشمال من العادات والتقاليد وغيرها وكذا العكس، ولا يعرف أهل الجنوب والشمال عن أهالي المنطقة الغربية وكذا العكس، حتى الشاب العراقي يكمل دراسته الجامعية ولا يعرف جغرافية غالبية المدن العراقية من الأقضية والنواحي، بل تجد غالبيتهم لم يكونوا يعرفون عن المكونات الإجتماعية للشعب العراقي، وهذا لمسناه واقعا. وهذا اليوم وأنا اكتب هذه الكلمات كنت أستمع في ندوة خاصة للشيخ د. خالد الملا “رئيس جماعة علماء أهل السنة والجماعة في جنوب العراق” وهو يتحدث فقال بالنص: “أني لم اسمع ولم ألتقي طيلة حياتي بشخص ينتمي إلى المكون الشبكي في العراق إلا حينما التقيت بهم في الحشد الشعبي في الأيام الأخيرة” فإذا كان حال المتعلمين هكذا فكيف بغير المتعلم!!!، وللعلم أني لا أعاتب الرجل مطلقا، بل أعطيه الحق كاملا لأن مناهج التعليم لم يعلمه في مراحل التعليم المختلفة، إضافة إلى السياسة القمعية التي كانت متسلطة على رقاب الشعب لإيجاد بعد نفسي بين مكونات المجتمع المختلفة، فلم توجد السياسة الطائفية الحاكمة مجالا للتعارف بين أفراد المكونات.
ومن هنا برزت عقب التغيير الذي حدث في عام 2003 ضرورة ملحة لتعديل مناهج التعليم، بدءا من المرحلة الإبتدائية وحتى نهاية السنة الدراسية الجامعية، بحيث تساهم في إزالة المشاعر الطائفية، وغرس الإحساس بالمواطنة الصالحة في صفوف العراقيين، وينبغي أن يتم إحياء وترسيخ هذا الإحساس بشكل عملي بعيدا عن منهج المحفوظات الذي كانت المدارس تنتهجه في تعليم الطلاب سابقا – وقد عشنا تلك المرحلة بحيث كانت مادة “الوطنية” أزعج وأصعب درس لنفوسنا لكون المادة الدراسية مادة جافة لم نكن نفهم منها شيئا غير أننا كنا نحفظها في أذهاننا لعبور الإمتحان فقط لا غير من دون أن نشعر من الوطنية شيئا – .
إضافة الى ذلك، ينبغي الإعتناء أيضا بتوجيه طلاب مرحلتي الماجستير والدكتوراه بتهيئة بحوث إجتماعية وسياسية وتاريخية وقانونية ونفسية وغيرها من جوانب الحياة المختلفة عن واقع المجتمع العراقي وماضيه لبناء مستقبل يقوم على أسس الإحترام المتبادل بين المكونات الاجتماعية للشعب والاعتراف بالآخر من ناحية، ومن ناحية أخرى يؤسس لبناء أسس العدالة واحترام القيم الإنسانية ويبين حقوق المواطنة وكيف يصل لها المواطن، ليؤدي واجباته الملقاة على عاتقه براحة ضمير واخلاص. 
فإن الإنسان العراقي تعود منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة أن يقوم بالواجبات دون معرفة حقوقه، وكيف يطالب الدولة بها؟.

وتدريس هذه المناهج الدراسية وبواسطة معلمين ومدرسين وأساتذة قديرين يساهم في إنتاج أجيال متعلمة يعرف الفرد فيها حقوقه المترتبة على الدولة كما أنه يتعرف على الواجبات الملقاة على عاتقه بالتوازي مع ذلك، على اعتبار أن الحقوق والواجبات الوطنية توأمان لا ينفصلان، وإذا انفصلا بعضهما عن الآخر استحكم الإستبداد والرأي الواحد.

ولا يمكن تحقيق هذا الأمر ما لم تكن الدولة ثابتة مهما جرت التغيرات في الحكومة، وعلى رأس عوامل ثبات الدولة أن يكون الموظف في الدولة مستقلا عن الأحزاب السياسية، بل يجب أن يمنع من أن يستغل منصبه لمآرب تخدم حزبه السياسي، ويؤخذ منه تعهد قانوني ‘يعاقب المخالف بأشد العقوبات’ بأن يكون عادلا ومواظبا بدوامه ومطبقا للقانون على الجميع بسواسية في أداء وظيفته الإدارية.

وهذا الموضوع بحاجة إلى تقديم بحوث ودراسات، وتنظير، والى رجال أقوياء يؤسسون لهذا العمل الوطني الهام من أجل بناء عراق خال من الإستبداد والطائفية السياسية.
والله من وراء القصد
.

1

التعليقات :

اكتب تعليق

وزير الموارد المائية د. حسن الجنابي يلتقي الوفد المرافق له محافظ ميسان علي دواي وأعضاء الحكومة المحلية في مبنى المحافظة
فارس العشق سمنون المحب …!!
نائب رئيس لجنةالتربية : لا يمكن تمرير مقترح إلغاء عطلة السبت في المدارس
مجموعة التكامل التعليمية الاهلية تطلق مهرجانها الاول “هدفنا التعليم من أجل التعلم”.
مجموعة الحافظ ومجموعة منتجات سامسونج الجديدة الحالية في الأسواق المحلية العراقية
الشاعرة هويدا ناصيف في حفل توقيع ديواني أنا العاشقة وأنثى القصيد
مؤسسة العين الإجتماعية في مؤتمرها الصحفي تحت شعار ” لا يضيع بحضرتكم “.
وزارة الموارد المائية تواصل اعمالها بتنظيف الجداول في المحافظات
وزارة الاتصالات تستقبل القنصل الايراني في النجف
انجاز اعمال اعادة مسار التراسل الضوئي بغداد – موصل
وزير الموارد المائية د. حسن الجنابي يترأس الاجتماع السابع والخمسون الطارئ لمناقشة الوضع المائي في محافظة البصرة
أحتفالية السنة الثانية لتأسيس الآتحادالدولي لآعلام الآقليات وحقوق الآنسان
هيأة المنافذ : ضبط 21 حافظة دجاج ولحوم مع 500 شاشة موبايل بحوزة مسافرين عراقي وباكستاني في منفذ مطار النجف
نقابة المهندسين العراقيين …. الاعلان التصنيف الاكاديمي الهندسي للكليات الاهلية وفق معايير نقابة المهندسين
حملة يتيم ….!!!
رئيس ديوان الوقف الشيعي يستقبل السفيرة الاسترالية في بغداد
(الدور الاقتصادي والحضاري لموانئ شبه الجزيرة العربية – قبل الاسلام) للكاتب أ.م.د. محمد الشمري
ملوحة المياه …. سلسال للدم
ورشة عمل عن التوقيع الالكتروني في وزارة الاتصالات
ألنائب علاء سكر الدلفي يطالب بتنفيذ مطالب اهالي البصرة
وزارة الزراعة…. تتابع عنكبوت الأرملة السوداء الذي شيع خبره مؤخراً وتحدد نوعيته بغير السام حسب النتائج الأولية
القنفة اكرم منا جميعا ! ولنجعلها مزارا للهاربين
أزمة سياسية تهدد ائتلاف نتنياهو ممهدة الطريق لانتخابات مبكرة
رئيس مجلس النواب يستقبل السفير الأمريكي ويؤكد على أهمية تكثيف الجهود لدحر الارهاب
رئيس البرلمان يستعرض مع رئيس اللجنة القانونية النيابية قانون العفو العام
عيد الطائفه الايزدية
طرد عالم من طائرة جزائرية بسبب “اللغة العربية”
السلطنة تؤكد: تحقيق عالمية “عدم انتشار الأسلحة النووية” يتطلب انضمام كل الدول للمعاهدة
بيان من المنتدى الاقتصادي العراقي .. صوت القطاع الخاص العراقي
قصيدة “لتبين هلالك ” للشاعر العراقي الشاب احمد الشمري
الماجدي : كلية الإسراء الجامعة الأهلية تحتفل بموسمها الدوري لتكريم كوكبة من الشخصيات الاساتذه والطلبه
الــــمدنـي يـــستقبل النائـــب الشيــــخ مـــحمد نـــوري الـــعبد ربـــه في بـــغداد للتباحـــث عــن مـــعامل الــــشركــة الـــواقعة فـــي مـــحافظة نــــينوى
رئيس ديوان الوقف الشيعي يستقبل السفيرة الاسترالية في بغداد
سارة طالب السهيل واشرف رضا يفتتحون معرض الفن الخط العربى بمكتبة القاهرة الكبرى
اللجنة العليا لدعم الحشد الشعبي ترسل مواد غذائية لمجاهدي الحشد الشعبي في قاطع الصقلاوية.
منظمة بدر…تنظم مهرجانها تحت شعار “بالوعي نحقق المطالب ونحفظ الوطن”.
الحسيني ::: من على منبر مسجد درانسي يدعو للعمل من أجل نشر الثقافة التسامحية الوسطية التي أوصى بها الإسلام.
مباراة العلوم 2018:” رؤية للإبتكار”
الرمزية في نصب الحرية
“الأوقاف” العمانية تعلن عدم ثبوت رؤية هلال شهر شعبان
استفتاءات

رأيك بتصميم الموقع

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
تابعونا على الفيس بوك