ماذا لو خرجت الدولة من غرف النوم؟

بواسطة » الوقت \ التاريخ : عدد المشاهدين : 243 views » طباعة المقالة :

 

ماجدولين الادريسي – مكتب المغرب – من حسنات قصة (عمر وفاطمة) أنها قربت وجهات نظر الإسلاميين والعلمانيين من قضية الحريات الفردية، التي كانت ساحة حرب ضارية بين الحداثيين والمحافظين، الذين كانوا يَرَوْن في القانون الجنائي المغربي خط الدفاع الأول والأخير عن القيم، متوهمين أن الدولة تتشدد إزاء الحريات الفردية والعلاقات الرضائية بين البالغين وتجاه المفطرين في رمضان دفاعا عن بيضة الأخلاق والقيم الإسلامية والسلوكيات الدينية فيما كان الحقوقيون والحداثيون يطالبون بخروج القانون الجنائي من بيت الحقوق الفردية، والقطع مع بقايا الدولة الدينية والمركزية في القانون الجنائي المغربي…
لقد اندهش الكثيرون وهم يقرؤون للإسلاميين مرافعات عن بنحماد والنجار وحقهما في ممارسة حريتهما، وعدم جواز تدخل الشرطة القضائية في علاقة رجل بالغ بامرأة بالغة في مكان عام (من خلال قراءة المحاضر التي نشرت بطريقة غير قانونية وغير أخلاقية في الصحافة الصفراء، نقرأ أن الشرطة في بداية توقيف بنحماد والنجار في شاطئ المنصورية، لم توجه لهما أية تهمة، بل حذرتهما من التواجد في منطقة مهجورة خوفا على سلامتهما، وبعد ذلك سألت بنحماد عن علاقته بفاطمة، وهو السؤال الذي لا محل له من الإعراب لا في القانون ولا في السياسة الجنائية للدولة، ومن هذا السؤال والجواب عنه تحول الموقف إلى خيانة زوجية بعد أن قال بنحماد إن السيدة التي ترافقه زوجته، وهنا تجاوزت الشرطة القضائية مرة أخرى صلاحياتها وطالبته بعقد الزواج، فرد عليها بنحماد بأن الرابط بينه وبين فاطمة زواج عرفي لم يوثق بعد. هنا مرة ثالثة مرت الشرطة القضائية إلى فعل آخر غير مبرر قانونيا، ويحتاج إلى إذن من النيابة العامة بناء على وقائع صلبة وهو تفتيش سيارة المرسيدس التي يملكها بنحماد ومصادرة الهواتف وتفتيشها. وهنا فقط، عثروا في السيارة على قطعة قماش وصابونة و»كلينكس»، أي ما يفيد وجود ممارسة جنسية غير مكتملة، لكنها قد تشكل جريمة إخلال بالحياء العام لم تعاينها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية في البداية، بل وصلت إليها- الجريمة – من خلال طلب عقد الزواج بين امرأة ورجل وتفتيش السيارة، وكلها أفعال لا يقرها القانون ولا السياسة الجنائية لوزارة العدل والحريات).
لا يتطور الفكر القانوني في المجتمعات بمعزل عن الأحداث والأزمات والنوازل التي تهز كيانه، وتفتح الأعين على مشاكل النصوص القانونية، وعلى تجاوزات الممارسات القضائية والحقوقية، وقصة عمر وفاطمة قد تتحول إلى درس في تاريخ القانون الجنائي المغربي يُدرس في الجامعات غدا أو بعد غد، باعتبارها القصة التي فتحت الطريق نحو تغيير القانون الجنائي. فلننتظر إذن زوال الطابع (الفضائحي للقصة) حتى ندخل إلى تناول الطابع القانوني والحقوقي للنازلة، باعتبارها مناسبة للدعوة إلى إلغاء فصول الجرائم الجنسية الرضائية بين البالغين من القانون الجنائي المغربي (الفصول 490 و491 و492)، على اعتبار أن هذه الفصول وتطبيقاتها في الواقع لا تحقق الغرض منها لا اجتماعيا ولاحقوقيا ولا دينيا، وأنها تساهم في نشر الخوف في قلوب المعارضين، وفي تدمير البيوت الفقيرة وفي تشريد آلاف الفتيات كل سنة وخروجهن إلى الدعارة بعد دخولهن السجن بسبب علاقة عابرة وسد باب إصلاح (الأخطاء) في وجوههن…
لنتأمل في الاعتبارات التالية:
أولا: تدخل القانون الجنائي في العلاقات الجنسية الرضائية بين الرجل والمرأة البالغين يتم بانتقائية بين الأفراد والطبقات والظروف والأحوال، وأن نصوص القانون الجنائي المغربي يُتلاعب فيها لتؤدي أدوارا مختلفة حسب الظروف والأحوال. الأغنياء يعرفون كيف يخرجون من هذه الورطات، فيما الفقراء يودون ثمنا باهظا، علاوة على استغلال هذا الموضوع الحساس لردع المعارضين وتشويه سمعتهم وإعطاء سلاح للدولة غير الديمقراطية لبسط سلطويتها أكثر على المجتمع المحافظ.
ثانيا: هذه النصوص بالنسبة إلى العلمانيين والحداثيين تتعارض مع فلسفة حقوق الإنسان والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب وتجعل من السلطة السياسية تتقمص عباءة السلطة الدينية والقيمية لتحدد للفرد ما يجب أن يفعله، وما لا يجب أن يفعله.
وثالثا: هذه النصوص بالنسبة إلى المحافظين والإسلاميين بعيدة عن روح التشريع الإسلامي الذي وضع عقوبة قاسية على جريمة زنا المحصن، لكنه أحاط هذه الجريمة بضوابط وشروط إثبات تكاد تكون مستحيلة، حيث اشترط الفقه الإسلامي وجوبا أربعة شهود على الواقعة، ووجود حالة تلبس واضحة لا شك فيها، وإلا انقلب الأمر على الشاهد بتهمة قذف المحصنات، وهذا ما يجعل جريمة زنا المحصن جريمة ضمير وليست جريمة قانون جنائي…
لسنوات طويلة لعب (المخزن القانوني) لعبة ذكية بين طرفي المجتمع الحداثي والمحافظ، حيث تضع الدولة قانونا جنائيا قاسيا وتحكميا وفضفاضا يعطيها سلطة كبيرة على المجتمع، وعلى الفرد في كل مناحي حياته التجارية والمدنية والجنسية والسياسية… (لاحظوا أن القانون الجنائي المغربي يتشدد وقت الأزمات السياسية وبعد الانقلابات والانتفاضات الاجتماعية، ويرتخي زمن الانفتاح السياسي والتوافق بين الدولة ومعارضيها). المخزن القانوني يقول للحداثيين في تبرير تشدد نصوصه القانونية وخاصة الجنائية: إن القاعدة في المجتمع  محافظة، ولابد من أخذ رأيها ومشاعرها وتوجهاتها بعين الاعتبار، في حين إنكم أيها الحداثيون قلة القلة، وإنكم لا تمثلون قوة في المجتمع. ولهذا، فإن الحل هو نص قانوني يرضي الأغلبية، وتطبيق عملي يرضي الأقلية والخارج، وإن هناك سلطة ملاءمة غير محدودة ستبقى في يد النيابة العامة.
ومع المحافظين يقول المخزن القانوني إن الدولة إسلامية في المغرب وإن دينها الرسمي هو الإسلام، ولهذا فالنصوص القانونية موجودة لتترجم هذه الهوية التي ترضيكم، لكن التطبيق شيء آخر. التطبيق يجب أن يراعي الظروف والأحوال في الداخل والخارج والسلطان هو صاحب السياسة الشرعية..هذا اللعب على الحبلين يعطي للمخزن نصوصا قانونية، بها يخنق الفرد والمجتمع ويصرف سلطويته متى أراد ووقت ما شاء. أما ازدواجية النص والتطبيق فتعطي للدولة هامشا تحل به تناقض الخطاب السياسي مع النص القانوني… ولأن المحافظين لا يتحاورون مع الحداثيين ولا يضعون دولة الحق والقانون والديمقراطية كأولوية في حياتهم بعيدا عن التخندقات الإيديولوجية، فان اللعبة تستمر وكل مرة يسقط واحد من المعسكرين…
قال وزير العدل السابق الأستاذ العلمي المشيشي: «إن المشكلة في القانون المغربي هي العقلية القانونية للدولة المغربية، وهي عقلية تميل للزجر الجنائي عوض التنظيم المدني أو الإداري، وهذا مرض تسرب إلينا من الثرات القانوني للدولة الفرنسية الذي وضعه نابليون بونابرت، وكان هذا الإمبراطور مهووسا بالدولة المركزية، وكان طريقه إلى الحفاظ على هذه المركزية هو استعمال القانون الجنائي في كل شيء، في قانون الصحافة، وفي القانون التجاري، حيث كان التجار المفلسون يذهبون إلى السجن. لما دخل الفرنسيون إلى المغرب واستعمروه نقلوا إليه هذه العقلية، وما إن حصل المغرب على الاستقلال حتى خرج الفرنسيون وبقيت تركة نابليون في المملكة الشريفة، وهي المسؤولة عن جل المقتضيات الجنائية التي تعج بها قوانيننا، والحل هو مراجعة هذه العقلية. من هنا يبدأ الإصلاح».

%d8%b9%d9%85%d8%b1-%d8%a8%d9%86-%d8%ad%d9%85%d8%a7%d8%af-15-504x362

1

التعليقات :

اكتب تعليق

بدعوة من منتدى حرف ولون الثقافي أقيمت ندوة شعرية في السويس تايم
المركز الثقافي الألماني يقيم دورة في فن التمثيل التلفزيوني الأحترافي.
البياتي يستقبل وفد الاتحاد الدولي الآعلام الاقليات وحقوق الانسان .
باجلان سفير للتنمية المستدامة في العراق
و….. أغلقها وهجر اهلها أرهاب الداخل والخارج …عن كنيسة الحكمة الالهية اتكلم
الايزيديون والصابئة المندائيون يهنئون اخوتهم المسيحيين
مفوضية الانتخابات تفاتح مجلس النواب لغرض الاسراع بالمصادقة على تحديد موعد الانتخابات البرلمانية
عام التعافي والانطلاقة فهل يكون العام القادم عام المواطن والعدالة الاجتماعية ……
الاتروشي يهنىء مسيحيي العراق باعياد الميلاد ورأس الجديدة
التدمير الممنهج والإنسانية المفقودة بدواعي زائفة للدمقطرة/ استهلاك الثقافة وثقافة الاستهلاك
كشف موقعي للمقابر الجماعية في سنجار
الاتحاد الدولي لاعلام الاقليات وحقوق الانسان يستقبل الوفد الهولندي في بابل
تكريم رئيس الطائفة الايزيدية في العراق والعالم البابا الشيخ
أجتماع لمناقشة الآليات التنفيذية ودعم مشروع التعايش السلمي
رئيس الاتحاد الدولي لاعلام الاقليات وحقوق يحضر ندوة نقاشية في ديوان اوقاف الديانات حول المقابر الجماعية للايزيدين
دعوة سمبوزيوم القدس في النبطية
زيارة السفاره البريطانية
أحتفالية النصر الكبير
نيافة المطران افاك اسادويان رئيس طائفة الارمن.. يرعى أحتفالية لفرقة سايات نوفا
أجتماع السفيرة الفلندية في العراق مع ناشطات عراقيات عضوات سكرتارية تحالف 1325
افتتاح معرض إبداع على طريق الحسين (ع) السنوي الرابع في كربلاء المقدسة
قتل المسؤول الأول عن مجزرة سبايكر
كاس العالم للمبدعين العرب لعام ٢٠١٦
تخرج دوره من لمعهد الدراسات الموسيقية
يوم القدس العالمي في لندن
فرات التميمي : يثمن الجهود المبذوله للوفد الوطني في اجتماع اليونسكو الدوره 40 باسطنبول
سعد معن….. القاء القبض على ارهابي والعثور على كدس من اﻻسلحة في اليوسفية
الاعتقالات تهز عرش “الفيفا”.. وبلاتر يتحدى دعوات التنحي
الوصفات القاتلة
اليونسكو تمنح الموسيقارالعراقي نصير شمه لقب فنان السلام
أنباء عن سحب القوات البرية الإماراتية من اليمن
فضائية KNN تسرح 51 اعلاميا
ريان الكلداني الامين العام لكتائب بابليون قوات بابليون والشبك تتوجه الى سهل نينوى
قسم الصيدلة يجهز المستشفيات والقطاعات بالادوية
احصائيات مرعبة
ألمقال ألأسبوعي للكاتبه هدى عبد الرحمن الجاسم
أعلام النائب حنين قدو
الرئيس معصوم: للمرأة دور قيادي في المصالحة المجتمعية والاعمار
الكفاءات السورية الطاقات المستنزفة بين التهجير الطوعي والقسري
وفاة زوجة ونجل الداعية سلمان العودة
استفتاءات

رأيك بتصميم الموقع

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
تابعونا على الفيس بوك