صرخة الألم بقلم الاديب جوزيف شماس

بواسطة » الوقت \ التاريخ : عدد المشاهدين : 1٬326 views » طباعة المقالة :

 

جوزيف شماس
دمشق _ سوريا

8639cdb9-3e0b-44db-8e93-f7b459858359صرخة انتابته وأجفلته وأيقظته من سبات عميق، ورمته في الأزقة الضيقة مهمشاً تائهاً بين أشواك المعتقدات المتناحرة والموروثات الاجتماعية المتناقضة والمجاملات الطفيلية التي لاتنتهي.

إنها صرخة الألم، تلك الصرخة التي قذفته حطاماً غارقاً في تجاويف البحار لتتقاذفه أمواج هائجة متلاطمة من صراع الحضارات المتعاقبة على تاريخ البشرية، فوثب من غفلته ومشى عبر رواق ضيق، عارياً، صامتاً كالشبح لا لون له ولا رائحة ولا وزن، لم يشعر بوجوده أحد، ولم يكن هناك دليل يهديه لمصدر الصراخ الذي يطرق مسامعه، فقضم تقسيمات الزمن وطوى مسافات العمر ليجد نفسه في خندق مظلم متعثر الخطوات. هابطاً يصل إلى منحدر مقفر يؤدي إلى غابة كثيفة الأشجار وارفة الظلال.

ها هو الفجر قادم إليه. وما إن سمع أول أصوات أجراس الصباح حتى استيقظ واستقر في جلسته حائراً بما رآه وأحس به، فامتلأ قلبه ذعراً، وشعر بموجة عارمة من الذنب تعتريه؛ لأنه ترك الأمر يحدث له، وهو جامد مستكين مطواع دون حراك.

راح يهدئ نفسه ويصفّي ذهنه ويركز على ماهو عليه، وبدأ يمسح من شريط ذاكرته كل أحلامه وذكرياته لرحلة العذاب التي كانت دائماً تلاحقه وتعرف طريقها إليه في كل حالاته. لحظات وبدأ يشعر بالابتعاد شيئاً فشيئاً عن حيرته وخوفه تناغماً مع ظهور كل شعاع جديد لهذا الصباح الربيعي المبلل بقطرات الندى، ليزداد إصراره بالبحث عن تلك الغابة الكثيفة الأشجار الوارفة الظلال. لكن أيام طفولته وسني صباه التي عاشها في بلدته الجبلية النائية الحدودية لم تكن لتغيب عن ذاكرته أبداً. ولا حتى ملامح مدرسه العجوز الوحيد في بلدته آنذاك، والذي كان صديق جده ويدعى أبو ماجد، ذاك المدرس الذي قدم إلى بلدتهم منذ زمن طويل، حيث أحبها وتزوج إحدى بناتها، وبقي فيها طوال حياته ودفن في ثراها دون أن يخلّف ولداً، إلا أنه أصبح جزءاً أساسياً من تاريخ حكايات البلدة، تلك الحكايات التي تناقلتها ألسنة الأجيال المتعاقبة برمزية أبو الفهم، ذاك اللقب الذي أطلقه عليه أهل البلدة منذ أول يوم وطأت فيها قدماه أرضها الطيبة، وكان له الفضل الأوحد في بناء أول مدرسة فيها.

كما تذكر بداياته الأولى في تلمس الأشياء ومعرفتها، وخطواته الأولى نحو الاستقلالية يوم أحس ولأول مرة بفارق خلقي بينه وبين أخوته، فقرر من حينها الاعتماد على ذاته في ارتداء ملابسه والاستحمام وحده منفرداً، وعدم السماح سوى لوالدته فقط لتفرك ظهره بعد أن يغمض عينيه ويطلي وجهه برغوة الصابون ليشعر بوحدانية المكان.

 

ومذاك الوقت بدأ بمرافقة والده إلى الحقل والسفر معه إلى المدينة في بعض الأحيان. ويومياً مع غروب الشمس كان شديد الحرص على أن يلازم جده في كل مجالسه ليستمع أحاديث كبار البلدة وحواراتهم التي لاتنتهي، فيصغي جيداً لأحاديث مدرسه أبي ماجد الذي لم يكن يوماً يغيب عن تلك المجالس، حتى في أيام مرضه كان يدعو الجميع إلى داره ليصغي لحواراتهم وهو ساكت لا يتدخل إلا عند الضرورة. أما في باقي الأيام فكان الجميع يصغون إليه وهو يقرأ لهم قصة قصيرة أو فصولاً من كتاب ما، أو يلخص لهم رواية كان قد قرأها، ليعيد حكايتها بأسلوب شائق وجذاب في جلسات متتالية مع حرصه على التنويه والتأكيد على أهم الحكم والمواقف الواردة فيها، وكثيراً من الأحيان ومع بداية كل جلسة كان يسرد على مسامعهم ماقد سمعه من المذياع ليبدأ كلامه :

ياسادة ياكرام، لقد قالت لي الآلة السحرية العجيبة كذا وكذا .. فإذا كانت هناك أخبار هامة أو أحداث مفصلية كانوا جميعاً يصغون إليه وهم صامتون متحمسون .. ينتظرون لحظة توقفه عن الكلام لتنطلق ألسنتهم وتتناثر أسئلتهم وتتشابك آراؤهم وتتناحر الحوارات فيما بينهم، فيمتد زمن الجلسة في بعض الأحيان إلى وقت متأخر من الليل، ومع إحساسه بالغبن لعدم سماعه أية حكاية من حكايات معلمه، كان يشتد شعوره بالتعب ورغبته بالنوم، إلا أنه كان يسعد حين يحتد الجدل ويتفرق الحاضرون دون اتفاق بعد أن يدخن كل منهم لفافة من التبغ. فكان يظن بأن الحوار بينهم قد انتحر على صخور صرخاتهم ومات للأبد. إلا أنه كان يفاجأ في اليوم التالي بتجدد الاجتماع وبدء الحوار وكأن شيئاً لم يكن.

وما إن بدأ أبو خالد الغوص في تفاصيل حواراتهم آنذاك يوم كان صغيراً حتى أحس فجأة بأشعة الشمس وقد اشتدت أوتادها وسخنت أطرافها، وبدأت أشعتها تنغرز بسهولة في جسده المتعب كعيدان القصب اليابس عندما تغرز في أرض هشة.

فنهض من سريره متثاقلاً وتوجه نحو التلفاز ليسمع آخر الأخبار، ولكن كل محاولاته باءت بالفشل لتداخل محطات البث فيما بينها كحوارات كبار القوم في بلدته.      فنادى زوجته:

– يا أم خالد أين أنت؟

–  نعم. ماذا تريد؟

– أيقظي خالد كي يصلح هذا التلفاز اللعين.

– خالد ليس في الدار.

– إلى أين ذهب أليس اليوم عطلة؟

– بعد صلاة الفجر سمعته يودع زوجته ويوصيها بالأولاد وغادر.

أجاب بغضب:

– أين القهوة إذاً ؟ ولماذا لم تحضري لي كوباً من الشاي؟ وهل طعام الإفطار جاهز؟

– لقد حيرتني، ماذا بك؟ ماذا تريد فعلاً؟

– كل شيء.

وتوجه نحو النافذة وفتح درفتيها وبدأ يحدق في جسد الزقاق المنبسط أمامه، لعله يجد من يستعين به عوضاً عن ابنه خالد.

وتجيبه أم خالد: حسناً كما ترغب.

وتغادر الغرفة دون أن يلحظ غيابها وهي تدمدم : كل شيء. كل شيء.

أطال وقوفه بجانب النافذة واتكأ على حافتها يراقب المارة والباعة المتجولين، وغلمان يقودون دراجاتهم بسرعة وينزلقون من بين أكتاف المارة دون اكتراث، وأولاد الحارة يتراكضون خلف كرة، وما إن لمح أحد أحفاده وهو يرمي بجسده على أرض منبطحاً والكرة بين يديه حتى حاول الصراخ لمناداته، لكنه لم يفلح؛ لأن ذاكرته سبقت رغبته في الصراخ وشدته مجدداً لماضيه وغاب صوته وغاب هو معه، ليتذكر آخر لقاء له مع مُدرسه أبي ماجد، يوم اشتد عليه المرض ولم يعد بمقدوره مغادرة الدار، مرافق جده لزيارته، وما إن جلسا بجانبه حتى سمعه يقول لجده:

يا أبا حسن. إن وقت رحيلي قد حان، وإنني أسمع زوجتي تناديني وأنا مشتاق إليها كثيراً، لذا أوصيك بأغلى ما أملك ألا وهي الكتب، فأرجوك أن تأخذها وتعتني بها، وأن توصي أولادك وأحفادك بالاعتناء بها، واكتب على قبري درة من درر شاعرنا الكبير حافظ إبراهيم:

وللحرية الحمراء باب           بكل يد مضرجة يدق

وذيله بقول أديب إنسانيتنا وسفيرنا بالمهجر جبران خليل جبران: “بؤس من أمة تطلب الاستقلال من الاستعمار”.

وشهق نفساً طويلاً وفتح عينيه وصمت للأبد، فمد جدي يده وأطبق جفنيه بأنامله الرقيقة، وهو يقول:

رحمة الله عليك يا أبا ماجد. حقاً كنت لنا منارة في حياتك، وستبقى نوراً في قلوبنا بعد مماتك.

وشدني من كتفي إلى خارج الغرفة وقال لي:

اذهب إلى الحقل وبلغ أباك بأن يأتي إلى هنا فوراً…

وها هي اليوم أم خالد تدخل الغرفة مجدداً وتقول له:

أين أنت شارد يا أبا خالد؟ تفضل إلى صحن الدار، فكل شيء جاهز، القهوة والشاي وطعام الإفطار.

لكن أبا خالد لم يسمعها حتى أنه لم يلحظ وجودها واستمر راكضاً على صفحات ذاكرته كما كان يركض يومها لمناداة أبيه، وهو يركض بين البساتين متنقلاً من حقل إلى حقل ومن ساقية إلى أخرى وهو ينادي بين الفينة والأخرى بابا .. بابا … ومازال متلذذاً بذاك الشعور الخفي المفرح الذي انطلق من داخله تعبيراً عن سعادته بميراث معلمه من الكتب، وبعفوية طفولية بدأ يعيد لذاكرته أسماء الكتب التي قد سمع بأسمائها يوماً من العم أبي ماجد في مجالس الكبار، فقرر أن ينطق بعناوينها عالياً خوفاً من ضياع أحدها، ورغم متابعته الركض لمناداة والده، كان يردد على مسامع الطبيعة أسماء الكتب قائلاً: نظرية الخلق _ قصة نوح – الفلسفة اليونانية – جمهورية أفلاطون – الكتب المقدسة – سيرة بني هلال – الماسونية – الصهيونية – ألف ليلة وليلة – عشرة أيام هزت العالم – البؤساء – كوخ العم توم – حرب البسوس – سورية الكبرى – الثورة الفرنسية – الرأسمالية  الاشتراكية – أحدب نوتردام – والفولاذ سقيناه – الطوباوية – ذهب مع الريح – الأم – الرغيف – في بيتنا رجل – بين القصرين – عشتروت – زرادشت – لمن تقرع الأجراس – قصة حياتي – الهنود الحمر .

وبين الحين والآخر كان يذكر أسماء مجموعة من القادة والزعماء والمفكرين والكتاب والشعراء والأدباء.

أم خالد : كف عن الكلام يا أبا خالد وكل الكتب موجودة، لقد تعبت أرجوك اهدأ قليلاً، وحاول أن تشرب كوباً من الشاي.

وبدأت تمسح قطرات العرق من على جبينه بأكفها وتكرر:  أرجوك ارحم نفسك.

وما إن شعر أبو خالد بوجودها حتى نظر إليها بافتخار، ودمعة حارقة انبثقت من تجاويف روحه وانسالت على خده، وفجأة سمعا طرقات قوية تُدقُ على الباب الخارجي فأسرعت أم خالد لتفتح الباب، وماهي إلا لحظات حتى علا صوتها وهي تنادي أبا خالد .. يا أبا الشهيد .. هاقد أتى خالد لوداعك، وامتزج صوتها بهتافات الرجال وزغاريد النساء، ليخرج أبو خالد من غرفته  مطلاً على ساحة الدار، هاتفاً: ياقوم لقد وجدتها أخيراً، حقاً، إنها غابة كثيفة الأشجار وارفة الظلال.

ونظر في عين الشمس فرآها ترحل خجولة، وابنه خالد واقف كالنسر أعلاها وينادي : بابا . بابا .. ها أنا هنا فوق الغابة، فيندفع أبو خالد ليضم ولده البكر ويقبل جبينه ويضع رأسه على صدر ولده ويطبق جفنيه إلى الأبد.

1

التعليقات :

اكتب تعليق

زواج مصري “ملكي”.. ابنة آخر ملوك مصر تدخل عش الزوجية
“قمة الغياب” في بيروت
الشاعرة والإعلامية هويدا ناصيف تكرّم الفائزين في بطولة كأس العالم للمبدعين العرب في لندن
هل تبحثين عن مشروع صغير تستطيعين من خلاله إيجاد فرصة دخل لكي؟
زيارة وفد الاتحاد الدولي لاعلام الاقليات وحقوق الانسان الى ديوان الاوقاف بمناسبة اعياد الميلاد وراس السنه الميلادية
شبكة إعلام المرأه العربية تختار د/ ثريا البدوى أفضل استاذه جامعية فى 2018
البشير: مشاكل السودان الاقتصادية تحتاج لصبر وحكمة
أوامر ملكية سعودية بإعادة تشكيل مجلس الوزراء
“خطة عسكرية روسية” لسحق الغرب بدون رصاصة واحدة
محاضرة عن قانون الاحوال الشخصية بجمعية المرأة العمانية بصحار
لجنة منطقة بيرسفي لاتحاد النساء الاشوري توزع هدايا اعياد الميلاد للأطفال
بوتين يلمح لزواج جديد.. فمن هي الحسناء التي أغوت رئيس روسيا؟
قنبلة “واتساب” الجديدة.. عملة لتحويل الأموال
ترامب يبرر الانسحاب الأميركي المفاجئ من سوريا
دعموش: أصبحنا على مشارف ولادة الحكومة وأهم ما أنجز تثبيت حق السنة المستقلين في التوزير
اطلاق جائزة شيخ الشهداء للإبداع الأدبي 2019
افتتاح معرض ” العيد سوا احلى” برعاية بلدية حارة حريك وحضور النائب فادي علامة
“السترات الصفراء” إلى الشوارع للسبت الخامس على التوالي
ترامب ينحني أمام الصين.. ويتخلى عن أهم مبدأ أميركي
اتفاق يمني يمهد الطريق لحل شامل يحقق رؤية التحالف
نقيب المعلمين يلتقي بالنائب الاول لرئاسة البرلمان للتباحث حول قانون حماية المعلم
تعب انا
توم و جيري ( القط والفأر ) – وكيف خدعنا الاعلام
الزاملي….. يحضر الاجتماع ألتنسيقي الثاني لرؤساء مجالس محافظة العراق في كربلاء المقدسة.
السيد وكيل وزارة الخارجية يترأس الوفد العراقي في جاكارتا
من ارض معرض بغداد الدولي..الشركة العامة للمنتوجات الغذائية تطالب الدولة بدعم منتوجاتها
الخاتوني يزور الموقع البديل لجامعة الموصل ويقف على مشاكل العمل وسبل انجاح العام الدراسي الجديد
اكتشاف جديد مذهل.. «الزنجبيل» يعالج مرضاً قاتلاً
الترميذا ناظم المندائي في محافظة العمارة
الاتحاد الاماراتي يستبدل نادي العين بفريق الوحدة في البطولة العربية لكرة القدم
حبس نائبة فرنسية مسلمة لمنعها زواج مثليتين
رئيسة لجنة المرأة تلتقي بنائب رئيس بعثة الأمم المتحدة في العراق
مدرسة الخالصية في خطبة الجمعة
جو رعد في افتتاح مركز تجميل… لايوجد لدي بيت بالعراق لكن قلوب العراقين هو بيتي
تشغيل أكثر من شريحة اتصال على آيفون 6
الاعرجي / معركة الانبار سوف تكون أسرع من تكريت
الدروز الموحدون
رابطة الإعلاميين العراقيين في الخارج :اختطاف الزميلة الصحفية أفراح شوقي جريمة جديدة بحق الصحفيين
الخط الكوني.. إضافة جديدة من إبداعات العقل العربي
استفتاءات

رأيك بتصميم الموقع

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
تابعونا على الفيس بوك