صرخة الألم بقلم الاديب جوزيف شماس

بواسطة » الوقت \ التاريخ : عدد المشاهدين : 1٬353 views » طباعة المقالة :

 

جوزيف شماس
دمشق _ سوريا

8639cdb9-3e0b-44db-8e93-f7b459858359صرخة انتابته وأجفلته وأيقظته من سبات عميق، ورمته في الأزقة الضيقة مهمشاً تائهاً بين أشواك المعتقدات المتناحرة والموروثات الاجتماعية المتناقضة والمجاملات الطفيلية التي لاتنتهي.

إنها صرخة الألم، تلك الصرخة التي قذفته حطاماً غارقاً في تجاويف البحار لتتقاذفه أمواج هائجة متلاطمة من صراع الحضارات المتعاقبة على تاريخ البشرية، فوثب من غفلته ومشى عبر رواق ضيق، عارياً، صامتاً كالشبح لا لون له ولا رائحة ولا وزن، لم يشعر بوجوده أحد، ولم يكن هناك دليل يهديه لمصدر الصراخ الذي يطرق مسامعه، فقضم تقسيمات الزمن وطوى مسافات العمر ليجد نفسه في خندق مظلم متعثر الخطوات. هابطاً يصل إلى منحدر مقفر يؤدي إلى غابة كثيفة الأشجار وارفة الظلال.

ها هو الفجر قادم إليه. وما إن سمع أول أصوات أجراس الصباح حتى استيقظ واستقر في جلسته حائراً بما رآه وأحس به، فامتلأ قلبه ذعراً، وشعر بموجة عارمة من الذنب تعتريه؛ لأنه ترك الأمر يحدث له، وهو جامد مستكين مطواع دون حراك.

راح يهدئ نفسه ويصفّي ذهنه ويركز على ماهو عليه، وبدأ يمسح من شريط ذاكرته كل أحلامه وذكرياته لرحلة العذاب التي كانت دائماً تلاحقه وتعرف طريقها إليه في كل حالاته. لحظات وبدأ يشعر بالابتعاد شيئاً فشيئاً عن حيرته وخوفه تناغماً مع ظهور كل شعاع جديد لهذا الصباح الربيعي المبلل بقطرات الندى، ليزداد إصراره بالبحث عن تلك الغابة الكثيفة الأشجار الوارفة الظلال. لكن أيام طفولته وسني صباه التي عاشها في بلدته الجبلية النائية الحدودية لم تكن لتغيب عن ذاكرته أبداً. ولا حتى ملامح مدرسه العجوز الوحيد في بلدته آنذاك، والذي كان صديق جده ويدعى أبو ماجد، ذاك المدرس الذي قدم إلى بلدتهم منذ زمن طويل، حيث أحبها وتزوج إحدى بناتها، وبقي فيها طوال حياته ودفن في ثراها دون أن يخلّف ولداً، إلا أنه أصبح جزءاً أساسياً من تاريخ حكايات البلدة، تلك الحكايات التي تناقلتها ألسنة الأجيال المتعاقبة برمزية أبو الفهم، ذاك اللقب الذي أطلقه عليه أهل البلدة منذ أول يوم وطأت فيها قدماه أرضها الطيبة، وكان له الفضل الأوحد في بناء أول مدرسة فيها.

كما تذكر بداياته الأولى في تلمس الأشياء ومعرفتها، وخطواته الأولى نحو الاستقلالية يوم أحس ولأول مرة بفارق خلقي بينه وبين أخوته، فقرر من حينها الاعتماد على ذاته في ارتداء ملابسه والاستحمام وحده منفرداً، وعدم السماح سوى لوالدته فقط لتفرك ظهره بعد أن يغمض عينيه ويطلي وجهه برغوة الصابون ليشعر بوحدانية المكان.

 

ومذاك الوقت بدأ بمرافقة والده إلى الحقل والسفر معه إلى المدينة في بعض الأحيان. ويومياً مع غروب الشمس كان شديد الحرص على أن يلازم جده في كل مجالسه ليستمع أحاديث كبار البلدة وحواراتهم التي لاتنتهي، فيصغي جيداً لأحاديث مدرسه أبي ماجد الذي لم يكن يوماً يغيب عن تلك المجالس، حتى في أيام مرضه كان يدعو الجميع إلى داره ليصغي لحواراتهم وهو ساكت لا يتدخل إلا عند الضرورة. أما في باقي الأيام فكان الجميع يصغون إليه وهو يقرأ لهم قصة قصيرة أو فصولاً من كتاب ما، أو يلخص لهم رواية كان قد قرأها، ليعيد حكايتها بأسلوب شائق وجذاب في جلسات متتالية مع حرصه على التنويه والتأكيد على أهم الحكم والمواقف الواردة فيها، وكثيراً من الأحيان ومع بداية كل جلسة كان يسرد على مسامعهم ماقد سمعه من المذياع ليبدأ كلامه :

ياسادة ياكرام، لقد قالت لي الآلة السحرية العجيبة كذا وكذا .. فإذا كانت هناك أخبار هامة أو أحداث مفصلية كانوا جميعاً يصغون إليه وهم صامتون متحمسون .. ينتظرون لحظة توقفه عن الكلام لتنطلق ألسنتهم وتتناثر أسئلتهم وتتشابك آراؤهم وتتناحر الحوارات فيما بينهم، فيمتد زمن الجلسة في بعض الأحيان إلى وقت متأخر من الليل، ومع إحساسه بالغبن لعدم سماعه أية حكاية من حكايات معلمه، كان يشتد شعوره بالتعب ورغبته بالنوم، إلا أنه كان يسعد حين يحتد الجدل ويتفرق الحاضرون دون اتفاق بعد أن يدخن كل منهم لفافة من التبغ. فكان يظن بأن الحوار بينهم قد انتحر على صخور صرخاتهم ومات للأبد. إلا أنه كان يفاجأ في اليوم التالي بتجدد الاجتماع وبدء الحوار وكأن شيئاً لم يكن.

وما إن بدأ أبو خالد الغوص في تفاصيل حواراتهم آنذاك يوم كان صغيراً حتى أحس فجأة بأشعة الشمس وقد اشتدت أوتادها وسخنت أطرافها، وبدأت أشعتها تنغرز بسهولة في جسده المتعب كعيدان القصب اليابس عندما تغرز في أرض هشة.

فنهض من سريره متثاقلاً وتوجه نحو التلفاز ليسمع آخر الأخبار، ولكن كل محاولاته باءت بالفشل لتداخل محطات البث فيما بينها كحوارات كبار القوم في بلدته.      فنادى زوجته:

– يا أم خالد أين أنت؟

–  نعم. ماذا تريد؟

– أيقظي خالد كي يصلح هذا التلفاز اللعين.

– خالد ليس في الدار.

– إلى أين ذهب أليس اليوم عطلة؟

– بعد صلاة الفجر سمعته يودع زوجته ويوصيها بالأولاد وغادر.

أجاب بغضب:

– أين القهوة إذاً ؟ ولماذا لم تحضري لي كوباً من الشاي؟ وهل طعام الإفطار جاهز؟

– لقد حيرتني، ماذا بك؟ ماذا تريد فعلاً؟

– كل شيء.

وتوجه نحو النافذة وفتح درفتيها وبدأ يحدق في جسد الزقاق المنبسط أمامه، لعله يجد من يستعين به عوضاً عن ابنه خالد.

وتجيبه أم خالد: حسناً كما ترغب.

وتغادر الغرفة دون أن يلحظ غيابها وهي تدمدم : كل شيء. كل شيء.

أطال وقوفه بجانب النافذة واتكأ على حافتها يراقب المارة والباعة المتجولين، وغلمان يقودون دراجاتهم بسرعة وينزلقون من بين أكتاف المارة دون اكتراث، وأولاد الحارة يتراكضون خلف كرة، وما إن لمح أحد أحفاده وهو يرمي بجسده على أرض منبطحاً والكرة بين يديه حتى حاول الصراخ لمناداته، لكنه لم يفلح؛ لأن ذاكرته سبقت رغبته في الصراخ وشدته مجدداً لماضيه وغاب صوته وغاب هو معه، ليتذكر آخر لقاء له مع مُدرسه أبي ماجد، يوم اشتد عليه المرض ولم يعد بمقدوره مغادرة الدار، مرافق جده لزيارته، وما إن جلسا بجانبه حتى سمعه يقول لجده:

يا أبا حسن. إن وقت رحيلي قد حان، وإنني أسمع زوجتي تناديني وأنا مشتاق إليها كثيراً، لذا أوصيك بأغلى ما أملك ألا وهي الكتب، فأرجوك أن تأخذها وتعتني بها، وأن توصي أولادك وأحفادك بالاعتناء بها، واكتب على قبري درة من درر شاعرنا الكبير حافظ إبراهيم:

وللحرية الحمراء باب           بكل يد مضرجة يدق

وذيله بقول أديب إنسانيتنا وسفيرنا بالمهجر جبران خليل جبران: “بؤس من أمة تطلب الاستقلال من الاستعمار”.

وشهق نفساً طويلاً وفتح عينيه وصمت للأبد، فمد جدي يده وأطبق جفنيه بأنامله الرقيقة، وهو يقول:

رحمة الله عليك يا أبا ماجد. حقاً كنت لنا منارة في حياتك، وستبقى نوراً في قلوبنا بعد مماتك.

وشدني من كتفي إلى خارج الغرفة وقال لي:

اذهب إلى الحقل وبلغ أباك بأن يأتي إلى هنا فوراً…

وها هي اليوم أم خالد تدخل الغرفة مجدداً وتقول له:

أين أنت شارد يا أبا خالد؟ تفضل إلى صحن الدار، فكل شيء جاهز، القهوة والشاي وطعام الإفطار.

لكن أبا خالد لم يسمعها حتى أنه لم يلحظ وجودها واستمر راكضاً على صفحات ذاكرته كما كان يركض يومها لمناداة أبيه، وهو يركض بين البساتين متنقلاً من حقل إلى حقل ومن ساقية إلى أخرى وهو ينادي بين الفينة والأخرى بابا .. بابا … ومازال متلذذاً بذاك الشعور الخفي المفرح الذي انطلق من داخله تعبيراً عن سعادته بميراث معلمه من الكتب، وبعفوية طفولية بدأ يعيد لذاكرته أسماء الكتب التي قد سمع بأسمائها يوماً من العم أبي ماجد في مجالس الكبار، فقرر أن ينطق بعناوينها عالياً خوفاً من ضياع أحدها، ورغم متابعته الركض لمناداة والده، كان يردد على مسامع الطبيعة أسماء الكتب قائلاً: نظرية الخلق _ قصة نوح – الفلسفة اليونانية – جمهورية أفلاطون – الكتب المقدسة – سيرة بني هلال – الماسونية – الصهيونية – ألف ليلة وليلة – عشرة أيام هزت العالم – البؤساء – كوخ العم توم – حرب البسوس – سورية الكبرى – الثورة الفرنسية – الرأسمالية  الاشتراكية – أحدب نوتردام – والفولاذ سقيناه – الطوباوية – ذهب مع الريح – الأم – الرغيف – في بيتنا رجل – بين القصرين – عشتروت – زرادشت – لمن تقرع الأجراس – قصة حياتي – الهنود الحمر .

وبين الحين والآخر كان يذكر أسماء مجموعة من القادة والزعماء والمفكرين والكتاب والشعراء والأدباء.

أم خالد : كف عن الكلام يا أبا خالد وكل الكتب موجودة، لقد تعبت أرجوك اهدأ قليلاً، وحاول أن تشرب كوباً من الشاي.

وبدأت تمسح قطرات العرق من على جبينه بأكفها وتكرر:  أرجوك ارحم نفسك.

وما إن شعر أبو خالد بوجودها حتى نظر إليها بافتخار، ودمعة حارقة انبثقت من تجاويف روحه وانسالت على خده، وفجأة سمعا طرقات قوية تُدقُ على الباب الخارجي فأسرعت أم خالد لتفتح الباب، وماهي إلا لحظات حتى علا صوتها وهي تنادي أبا خالد .. يا أبا الشهيد .. هاقد أتى خالد لوداعك، وامتزج صوتها بهتافات الرجال وزغاريد النساء، ليخرج أبو خالد من غرفته  مطلاً على ساحة الدار، هاتفاً: ياقوم لقد وجدتها أخيراً، حقاً، إنها غابة كثيفة الأشجار وارفة الظلال.

ونظر في عين الشمس فرآها ترحل خجولة، وابنه خالد واقف كالنسر أعلاها وينادي : بابا . بابا .. ها أنا هنا فوق الغابة، فيندفع أبو خالد ليضم ولده البكر ويقبل جبينه ويضع رأسه على صدر ولده ويطبق جفنيه إلى الأبد.

1

التعليقات :

اكتب تعليق

ثقافة وفن : اختتام فعاليات مهرجان لبنان المسرحي الدولي لمونودراما المرأة
افتتاح مهرجان لبنان المسرحي الدولي للمرأة بحضور وزير الثقافة
تحية لكل نساء العالم
تحية لكل نساء العالم
ماذا أقدم لكِ في يوم عيدك؟
النائب عبدالرحيم مراد استقبل رئيس جمعية ” Train Train “…
قصيدة يوم الجلاء للشاعرة د.مي خليل مراد
بيان حول المجزرة المروعة التي ارتكبها تنظيم داعش الارهابي بحق خمسون فتاة وامراة ايزيدية في سوريا
السودان يطلق سراح معتقلي الاحتجاجات
الاتصالات.. حملات مستمرة لرفع التجاوزات على الشبكة الضوئية في كركوك
رئيس الجمهورية يؤكد خلال استقبال رئيس تحالف النصر اهمية تفعيل العمل التشريعي والتنفيذي
وزارة الصناعة تقيم مؤتمرها الخامس لجمعية مصنعي السمنت في العراق
أنضمام العراق للمنظمة الدولية لهيئات اﻻوراق المالية
المشروع لشركة اينرو كروب (enro grop)
الاعلام وتحديات التنوع الديني في العراق
هل فكرت إسرائيل في ضرب مصر نوويا؟ وثائق سرية تكشف المستور
“مبادرة لجمع الشمل” في السودان.. والمظاهرات مستمرة
زواج مصري “ملكي”.. ابنة آخر ملوك مصر تدخل عش الزوجية
“قمة الغياب” في بيروت
الشاعرة والإعلامية هويدا ناصيف تكرّم الفائزين في بطولة كأس العالم للمبدعين العرب في لندن
العلامة الشيخ محمد الحج يستقبل سفيرة السلام مي مراد في مكتبه
حملته لتشريع قانون حماية النازحين وادارة الكوارث…
وزارة الموارد المائية تقوم بأجراء الكشف الموقعي على ناظم الكسارة مخرج هور الحويزة
صوم مبارك
محمد فوعاني شاب لبناني اخترق باب التمثيل بقوة
ممثل المرجعية يكّرم مدير البلدية لجهوده في تعزيز التعايش السلمي إعلام بلدية النجف الأشرف
بالفيديو.. حقيقة المرأة ذات الفستان الأسود على سطح المريخ
#أختارت_أن_تستر_جسدها_ الطاهر بالدخان_ولهيب_النار
الصيهود يطالب القمة العربية باتخاذ مواقف رادعة وجريئة اتجاه الدول العربية التي تصدر الارهاب والفتاوى التكفيرية وترعى المؤتمرات الارهابية الموجهة ضد الشعوب الامنة
(ميدل إيست أي) البريطانية تشيد بنظام الأفلاج في السلطنة
باع طفلته بمزاد على فيسبوك.. والشركة تدخلت بعد فوات الأوان
الخارجية العراقية تسلم السفارة المصرية مذكرة أحتجاج
اتحاد النساء الآشوري يحضر محاضرة حول مكانة المرأة في بلاد الرافدين
مكتب الاعلامي للقيادة العامة للمنظمة الدولية للامن والمعلومات
150 ألف فرنسي يتسببون في مغادرة “قسرية” لملك السعودية
الدكتور الهميم يرافق النازحين العائدين ، ويدخل مدينة الرمادي سيرا على اﻻقدام مهللا مكبرا
قتلة العائلة المسيحية في قبة العدالة
الكوفه…… العثور على جثة مواطن وعلية اطﻻقات نارية
قوات الحشد الشعبي / حشد التركمان يقتل 5 عناصر داعش الارهابي
رئيس اللجنة العليا لاعادة النازحين يدعو من الرمادي اهالي الفلوجة ونينوى الى الثورة ضد داعش واخواتها
استفتاءات

رأيك بتصميم الموقع

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
تابعونا على الفيس بوك