عبد الحميد بعلبكي رحل و بقي حضوره الفنّي

بواسطة » الوقت \ التاريخ : عدد المشاهدين : 1٬454 views » طباعة المقالة :

 

حسين أحمد سليم
بيروت – لبنان

12794355_839142952860692_3804189333488492011_nشخصيّة الفنّان التّشكيلي، في أساسها، ما هي إلاّ نتاج مجتمعي تاريخي مُتداخل العناصر و مُعقّد، و لا يُمكن الإحاطة بها: إلاّ بصورة جزئيّة من خلال نتاجه الفنّي المتراكم… و ما تُسمّيه القوانين و الأنظمة، و التي يُبنى عليها عمله الفنّي، فقد تأتي من تلقاء ذاته، و قد تتفتّق من وجدانه و ذهنيّته، بحسب تركيبته الذّهنيّة و النّفسيّة و التّفكيريّة، إضافة إلى شروط المحيط، أو قد يرثها عمّن سبقه من الفنّانين التّشكيليين…
و لكن و في مطلق الأحوال، لا يُمكن أن يُسمّى المرء فنّانًا، إلاّ إذا إنطلق في عمله الفنّي من مجموعة قوانين و أنظمة و أساليب فنّيّة، مُكتسبة و ذاتيّة في آن معًا، لأنّه لا يستطيع أحد أن يصنع لنفسه لغته الفنّيّة الخاصّة، إذا لم تكن مفهومة من الآخرين، و مُتّفقة مع شروطهم الذّهنيّة و رؤاهم الثّقافيّة…
12814221_839142806194040_2041868560571530069_nهذا، و بمقدار ما تكون شخصيّة الفنّان التّشكيلي خافتة الجرس، أو قويّة الإيقاع، بقدر ما يكون عمله فاقد الشّخصيّة الفنّيّة، أو قويّ التّأثير في تفكّر المتلقّي… و هذا كلّه، مُتعلّق بفلسفة الفنّان، و مفهومه للطّبيعة، و إيقاعه الدّاخلي من النّاحية النّفسيّة…
و من هنا علينا أن نُدرك، أنّ قطاعات النّاس في المجتمع، لا تتمتّع جميعها يالمقدار ذاته من الرّهافة الذّهنيّة، و المقدرة على إستيعاب الأعمال الإبداعيّة، سواء أكانت هذه الأعمال فنّيّو أو غيرها… و لا بُدّ أن يستدعي ذلك حاجة لدى هذا القطاع أو ذاك إلى ما يُمكن تسميّته، بالإرشاد الثّقافي عن طريق الكتابات النّقديّة، و الحوارات مع الفنّانين، و عقد النّدوات الفنّيّة، لكيّ يتكوّن مع الزّمن لدى الجمهور الذّائقة المُثقّفة، و التي تؤدّي إلى درجة من التّلاقي بين الفنّان و من يُشاهد أعماله… بحيث يستطيع المُتلقّي الذي يكتنز بثقافة مُتقدّمة، أن يتعرّف إلى قيمة العمل الفنّي و مفاهيمه و مستوى ثقافته… و بقدر ما يُخاطب العمل الفنّي أوسع شرائح جماهيريّة من المشاهدين المتبايني الأمزجة و الإستعدادات الثّقافيّة، يكون أكثر غنىً و عمقًا…
فالعمل الفنّي يتضمّن ما يُمكن تسميته بالدّقائق البلاغيّة، التي يتعذّر على أيّ كان إلتقاطها… و لعلّ معاناتنا في محيطنا المعاش محلّيّا و عربيّا، أشدّ وطأة ممّا هي عليه في العالم المُتحضّر، لأنّ الثٌّقافة الفنّيّة التي يتلقّاها الفرد في تلك المجتمعات و منذ نعومة أظفاره، و يعيشها في كلّ مكان من عالمه، هي شبه معدومة عندنا، لغيابها القسري في مجتمعاتنا و بيئتنا و مسكننا و عملنا، إلاّ بشكل محدود، و عالم الأغنياء غالبًا…
12800335_839142892860698_755244815300054349_nو الرّاحل الفنّان التّشكيلي عبد الحميد بعلبكي، رئيس جمعيّة الفنّانين اللبنانيين للرّسم و النّحت سابقًا، كان فنّانًا كبيرًا و مُخضرمًا، و كان معروفًا في مجتمعه و بيئته و على صعيد لبناني و عربي، و كان له حضوره الفاعل على الصّعيد الفنّي التّشكيلي اللبناني، و كان مشغوفًا بالألوان إلى أبعد الحدود، و كان هائمًا بالأشكال التي تُحاكي وجدانه، و كان أيضًا دارسًا حصيفًا لعناصر جماليّات الطّبيعة، بحيث كان يُقيم معها علاقة حميمة حكيمة في محاكاته لها، و كان لا يتناول شيئًا من هذه الطّبيعة، إلاّ وفق أسلوبه الفنّي الشّخصي، الذي إعتمده ليبني به شخصيّته الفنّيّة المميّزة الفرادة، تلك الشّخصيّة الفنّيّة الكادّة بعنفوانها، الكادحة في كبريائها الرّيفيّ الجنوبيّ، المتعملقة من أرحبة بلدته العديسة الحدوديّة في الجنوب اللبناني، الشّخصيّة الفنّيّة التّشكيليّة التي دأبت على الغوص إلى جوهر الأشياء و العناصر و الأشكال و الألوان و الظّلال…
الرّاحل الفنّان التّشكيلي عبد الحميد بعلبكي، كان فنّانًا مُثقّفًا و مُعمّقًا في وعيه و عرفانه، و هو من أبرز مُدوّني النّصوص التّشكيليّة في رؤى الأسلوب التّعبيري، يرسم فعل إيمانه بما يرسمه و يقوم بتشكيله رسمًا و نحتًا… و كأنّه كان يعزف موسقات الحياة على أوتار الزّمن في لوحاته، و يمارس ترنيم الحبّ و العشق على وقع تحليل الضّوء عبر منظومة ألوانه، بتقنيّات فيها جرأة البوح الفنّي، يرتسم من رحمها الطّيفي قوس السّماء مشعلاً آخر، لترتسم شخصيّة الفنّان التّشكيلي الرّاحل عبد الحميد بعلبكي، عبر حركة الرّيشة و ضرباتها اللونيّة المتمادية حتّى أبعد الحدود… ميّالاً إلى التّعبيريّة الواقعيّة، لأنّه كان مرتبطًا بالأرض، و البشر من حوله، مكتفيًا بأحلام اليقظة، و ألوانه تشهد عليها أعماله…
إلتقيته في أواسط شهر تمّوز من سنة 2002 للميلاد، بزيارة له، حيث كان يسكن مؤقّتًا، بسبب الأحداث الأليمة التي عصفت بلبنان، و تسبّبت في تهجير الكثير من بيوتهم و مساكنهم لبيت أو مسكن آخر أكثر أمانًا و إستقرارًا… كان الفنّان التّشكيلي الكبير عبد الحميد بعلبكي، يسكن في مبنى بشارع الحمرا ببيروت، و كان بيننا حوار واسع حول شؤون و شجون الفنّ التّشكيلي اللبناني…
كان الفنّان التّشكيلي عبد الحميد بعلبكي، يرى في الحداثة الفنّيّة و التّجريب التّشكيلي خصوبة إبداعيّة، شرط ألاّ تتحوّل هذه الحداثة إلى مهرب من الجدّيّة و الأصالة، و أن لا يتحوّل التّجريب إلى نوع من العبثيّة و البهلوانيّة، يتماهى تحت عناوين لفظيّة طنّانو و رنّانة… و كان يحمل قناعة فنّيّة أخرى، و هي أنّ الفنّ التّشكيل كفيل أن يُمهّد السّبيل لقيم جديدة، يحياها الإنسان من جديد، بحيث أنّ الفنّ يبني الرّوح و يساعد على تفعيلها، و يُثقّف العين و يقوم على تكحيلها بالجماليّات، و يُغني الزّهن يثقافة و اسعة، و يُساهم بفعاليّة في خلق قِيمٍ جديدة، بدليل أنّه ساهم مساهمة كبرى في التّمهيد لقيام نهضات الأمم السّابقة، من الإغريق، إلى العرب، وصولاً إلى أوروبّا الحديثة… و لعلّ من أهمّ سمات الإنسان الحضاري، أن يكون مُتذوّقًا للفنّ التّشكيلي بمعناه الواسع، و متفهّمًا للفنون بما تحمل من ثراء ثقافي له ميزته…
الفنّ التّشكيلي بالنّسبة للفنّان عبد الحميد بعلبكي، كان يعتبره غذاءً روحيّا للفرد و الجماعة، بحيث لا يُمكن للحياة أن تستقيم أو تستقرّ، إذا كانت أرواح النّاس جائعة… و الفنّ التّشكيلي الحقيق، هو لغة عالميّة مفرداتها الألوان و الأشكال، و هي تصلح لكلّ العصور… أمّا موضوع المقارنات، فهو يتّجه إلى أن يكون قضيّة دراسيّة محضة…
و حول سّرّ التّناغم بين الحزم اللونيّة و إيقاعاته في اللوحة الفنّيّة، فلكلّ لون من الألوانمِزاجُ و روحٌ و إيقاع… و بمقدار ما تتّفق هذه العناصر الثّلاثة، و تتناغم بين مجموعة ألوان مختلفة، يأتي العمل الفنّي التّشكيلي ناجحًا… و كذلك الحال بالنّسبة للمنحوتة، فإنّ مجموعة العناصر التي تُساهم في إعطائها الحياة، و التي هي: الإمتلاء، و الفراغ، و الخطّ و الملمس، و الحركة، إنّما تتوصّل إلى ذلك من خلال توافق و تناغم في الإنسجلم و التّضاد…
و في رؤيته لعلاقة الفنّان ببيئته و مجتمعه، كان يرى أنّ علاقة الفنّان بالهموم الإنسانيّة و المعيشيّة و المصيريّة و رؤى الآمال المرتجاة، هي أمر ضروري و لازم و محمود بنفس الوقت…
و في مقارنة جدليّة بين الماضي و فنّ الحاضر، كان يحمل في تفكّره رؤى واضحة، بحيث كان مقتنعًا بأنّ لكلّ زمن معاييره الثّقافيّة و ذائقته الفنّيّة، و مفاهيمه الإجتماعيّة…
12799456_839142846194036_2141541665498613065_nو أمّا العمل الفنّي الكبير، فهو يتجاوز من عصر إلى عصر، كون العمل الفنّي التّشكيلي، غير محدود أو منحصر في زمن بذاته، و العمل الفنّي، منذ العصر الحجري، و حتّى اليوم، يحمل بذاته إشعاعه الخاصّ، الذي لا يؤثّر فيه الذّوق العابر أو الموضة…
الفنّان عبد الحميد بعلبكي، بمفهومه التّشكيلي الثّقافي، كان يعتبر أنّ الفنّان التّشكيلي كما غيره من المبدعين، يُمثّل روح الأمّة، و على هذا الفنّان، أن يُقدّم في عمله التّشكيلي الفنّي، ما يتّصل بإهتمامات محيطه، و يُعبّر عن همومه الكبرى…
هذا و في تقييمه للفنّ التّشكيلي، كان يرى أنّ الفنّان الحقيقي، يحمل سمة القلق في ذاتيّته، متطلّعًا إلى حركة فعل الفرادة و التّجديد… أمّا الفنّ في هذا الزّمن القاهر، فإشكاليّته الكبرى، هي في إنحداره إلى المجهول، و كأنّه يُراد له أن يموت، من خلال تصوّرات مرضيّة لدى فئات واسعة ممّن يُسمّون فنّانين، حيث أصبح أيّ شيء مهما كان تافهًا يُسمّى عملاً فنّيّا أو نتاجًا تشكيليًّا…
أمّا بالنّسبة للحركة الفنّيّة التّشكيليّة اللبنانيّة، فكان يراها في بدايات القرن الواحد و العشرين، شبيهة بلبنان ذاته من حيث توزّعها، و حيرة إنتمائها، و جنوحها إلى الإقتداء بكلّ ما يرد إلينا من الغرب… و الفنّانون الذين يُمكن إعتبارهم من ذوي الشّخصيّة الفنّيّة المميّزة هم قلائل جدًّا… و مشكلة الحركة الفنّيّة الكبرى اليوم في تدهور و هبوط حركة الإبداع التّشكيلي، و يستتبع ذلك تدهور المستوى في السّوق الفنّي، و بالتّالي النّموّ المتعاظم للطّفيليين ممّن يدّعون الفنّ التّشكيلي، بحيث أصبحوا يُشكّلون الأكثريّة السّاحقة في الأسواق الفنّيّة…
أمّا وجهة نظره في التّراث، فكان يعتبره معزوفة مُملّة، يُردّدها الماضويين، الذين يلمسون في أنفسهم عجزًا عن إضافة أيّ شء جديد إلى حاضرهم… و هم بهذا كمن يدخل إلى قصر أجداده، و يقفل عليه الأبواب، ليموت في العتمة الباردة، بهدوء محبّة بأجداده… و إذا كان التّراث عظيمًا لأصحابه في الماضي، فهو اليوم وسيلة لتبرير التّكاسل و عدم الإجتهاد و الإبتكار و التّجديد، محاكاة للحداثة العصريّة و ما بعد الحداثة…
عبد الحميد بعلبكي، هو شاعر إضافة إلى كونه فنّانًا تشكيليّا، و له عدد من المجموعات الشّعريّة، نذكر منها: لكيلا يكون الصّمت، و خواطر في العشق…
إلى هذا، فقد رحل الفنّان التّشكيلي عبد الحميد بعلبكي، الذي كان يشغل مهامّ، رئيس اللجنة الفنّيّة في المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، و ذلك بتاريخ الثّامن عشر من الشّهر الثّاني عشر من العام 2013 للميلاد…

1

التعليقات :

اكتب تعليق

السبب الأكبر لهجرة الأقليات في العراق الكاردينال لويس روفائيل ساكو
كلية الفارابي الجامعة تقيم ندوة علمية بعنوان ( صور الارهاب في وسائل الاتصال)
علوم غيّبتها الحواضر واستحضرها غرب المحافل العلمية وشرقها
أيها الراقصون أمام اللجان
اطلاق مهرجان دمشق الدولي للخيول العربية في العاصمة
جمعية الجواد العربي الاصيل تطلق مهرجانها ضمن فعاليات معرض دمشق الدولي
قصيدة الشاعرة د.مي مراد التي القتها في معرض دمشق الدولي ضمن مهرجان الخيول العربية
طاولة الآتحاد الآوربي المستديرة
توقيع اتفاقية بين جائزة Elite ومركزACT
جميعنا نغرد خارج السرب
روضات العدالة تسابق الألم وصولا إلى خط الأمل
الملكة رانيا العبد الله متوّجة كتاب “روّاد من لبنان
العمل والفن
ماذا لو قلت … أريد أمي ؟
ثقافة وفن : اختتام فعاليات مهرجان لبنان المسرحي الدولي لمونودراما المرأة
افتتاح مهرجان لبنان المسرحي الدولي للمرأة بحضور وزير الثقافة
تحية لكل نساء العالم
تحية لكل نساء العالم
ماذا أقدم لكِ في يوم عيدك؟
النائب عبدالرحيم مراد استقبل رئيس جمعية ” Train Train “…
الدكتور خالد العبيدي يترأس مؤتمراً موسعاً لعمليات تحرير نينوى بحضور قائد قوات التحالف
مشاركة لواء الخامس والعشرون قوات الشهيد الصدر الاول ت في حماية الزائرين بمدينة كربلاء المقدسة
التحالف يبحث هدنة إنسانية باليمن.. وكيري في الرياض غدا لبحث تطورات الأزمة
رئيس ديوان الوقف السني الشيخ عبد اللطيف الهميم يكرم طلبة أصول الدين في كلية الامام/ فرع ديالى
النجار ::::: نهجنا الرسول الكريم (عليه افضل الصﻻة) واهل بيته اﻻطهار…وابقاء الحشد الشعبي متسما بالقيم والمبادئ اﻻسﻻميه
أستبيان المنهاج الدارسية للآقليات
الهيئة المغربية للوحدة الوطنية ضربة موجعة للمرتزقة
هكذا يكون الحب
البطاقة الوطنية الموحدة :هو مشروع مهم الذي ويخدم كل شرائح مكونات المجتمع العراقي
بيان
وزارة الدفاع في بيانها عن آخر التطورات في قواطع العمليات
فوز البريطاني صديق فلسطين برئاسة حزب العمال في بريطانيا
قوات سرايا الجهاد تعثر على مخابئ اسلحة لداعش في عمق الصحراء غربي الصينية
وزارة الصحة : افتتاح صالة الدكتور طالب خير الله لعمليات القسطرة اعتزاز بالخدمات الجليلة التي قدمها في خدمة المرضى
انتشار مراكز ومعاهد لتدريب الأفراد وجذب اهتمامهم لدراسة علم التنمية البشرية في العراق
الصيهود…… يطالب العبادي بتقديم استقالته
شاكرجودت الشرطة الاتحادية تقتل 935 ارهابيا
مجلس الأمن الدولي يؤكد استعداده لفرض عقوبات ضد من يهددون السلم والأمن بجنوب السودان
سليم شوقي:اعتماد القائمة المفتوحة ونظام سانت ليغو في انتخابات مجالس المحافظات المقبلة
كشف خدعة ابتسامة “الموناليزا”
استفتاءات

رأيك بتصميم الموقع

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
تابعونا على الفيس بوك