حوار مع الدكتور عباس الامامي

image

١- بدايةً عرّفنا بالدكتور عباس الامامي؟ السيرة الذاتية؟

ولدت عام 1957 في ناحية تازة التابعة لمحافظة كركوك جمهورية العراق، وبعد اتمام دراسة الاعدادية بدأت بدراسة العلوم الدينية سنة1978، والتي تزامنت بالانخراط بالعمل السياسي المعارض للنظام الاستبدادي لحزب البعث، وبعد قضاء فترة في سجون ومعتقلات حزب البعث تم الافراج عني، فهاجرت من العراق، وأخيرا أقمت في المملكة المتحدة، وشرعت بدراسة العلوم الاسلامية في الجامعة العالمية للعلوم الاسلامية بلندن بمراحلها الثلاث حتى حصلت على شهادة دكتوراه فلسفة في العلوم الاسلامية.
والى جانب العمل السياسي في الدفاع عن حقوق الانسان وحقوق الأقليات في العراق ولا سيما التركمان الذي يبلغ نفوسهم اكثر من مليوينين نسمة في العراق. وبنفس الوقت مستشار في منظمة حقوق الانسان في العراق التابعة للأمم المتحدة بإدارة الدكتور صاحب الحكيم.
اشتركت كعضو مؤسس في تأسيس لجنة التنسيق للأحزاب والحركات العراقية في لندن عام 2005م، ونظرا لانتفاء الحاجة لوجودها تم تجميد عمل اللجنة عام 2012م.
وأيضاً عضو مؤسس للديوان الثقافي العراقي الذي تم تأسيسه عام 2007، وبقي مقيماً للندوات والنشاطات والمهرجانات الثقافية المختلفة اسبوعيا وشهريا حتى شعرنا بالاستغناء عنه مع افتتاح المركز الثقافي العراقي في لندن بصورة رسمية من قبل الدولة العراقية، وقدمنا للمركز المذكور يد العون والمساعدة في اقامة برامجها الثقافية الأسبوعية والشهرية.
وكذلك عضو مؤسس لمنتدى الوحدة الاسلامية في عام 2008م، وتقوم هذه المنتدى بمؤتمرات سنوية تحت شعار الوحدة الاسلامية يحضره علماء الدين والمثقفين وأساتذة الجامعات من مختلف دول العالم، وقد أشرفت ثلاثة سنوات متوالية في اقامة هذا المؤتمر، ونحن الأعضاء المؤسسين نتدارس حالياً لوضع برنامج مؤتمر هذه السنة 2016م حيث المؤمَّل أن يقام في الشهر السادس القادم باذن الله.
أعمل حالياً أستاذ في الجامعة العالمية للعلوم الاسلامية بلندن في كلية الشريعة.

٢- ما هي الأقليات في العالم العربي بشكل عام ؟ وفي العراق تحديدا؟

لم يتوصَّل فقهاء القانون الى تعريفٍ جامع لمفهوم الأقلية، لتعدد المواقف التي تعيش فيها الأقليات. فالبعض منها يعيش في مناطق محدّدة، منفصلة عن الجزء الأكبر المهيمن من السكان. في حين تنتشر مجموعاتٍ أخرى في جميع أرجاء البلاد. وتتمتع بعض الأقليات بشعورٍ قوي بالهوية الجماعية والتاريخ المسجّل، أما غيرها فلا تحتفظ سوى بفكرة مجزأة عن تراثها المشترك.
ويشير إعلان الأمم المتحدة للأقليات للعام 1992، في مادته الأولى إلى الأقلياتٍ على أساس الهوية القومية أو الإثنية والثقافية والدينية واللغوية، وتنص هذه المادة على واجب الدول حماية وجود هذه الأقلّيات. بالإضافة إلى هذا، تردُ أحكاماً في معاهدات حقوق الإنسان تحظِّر التمييز على أساساتٍ مختلفة ذات صلة بالأقليّات.
يعتبر مبدأ عدم التمييز والمساواة أمام القانون من المبادئ الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان. ويُحظّر مبدأ عدم التمييز أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني ويستهدف أو ينتج عنه تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة. وينبغي التأكيد هنا أن القانون الدولي لا يفرض أي شرط لإثبات نيّة التمييز. وأن عبارة «ويستهدف أو ينتج عنه» تُشير إلى تشريعاتٍ أو سياساتٍ قد تبدو محايدة ولكنها تؤدي في الواقع إلى التمييز. ويحظّر القانون الدولي لحقوق الإنسان التمييز المباشر وغير المباشر.
وبالإضافة إلى أحكام عدم التمييز، هناك أحكامٌ تتعلق بحماية حقوق الأقليات على وجه التحديد. وتنّص المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه: «لا يجوز في الدول التي توجد فيها أقليات اثنية أو دينية أو لغوية، أن يحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم». ويرد حكمٌ مماثل في المادة 30 من اتفاقية حقوق الطفل.
ويقدّم تعليق اللجنة المعنية بحقوق الإنسان (اللجنة المشرفة على تطبيق العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية) رقم 23 (1994) بشأن حقوق الأقليات تفسيراً جازماً للمادة 27، إذ ذكرت اللجنة أن هذه المادة تنصّ وتقّر حقاً يُمنح للأفراد المنتمين إلى مجموعاتٍ أقليّة، ويُضاف إلى جميع الحقوق الأخرى التي يحقّ لهم كأفراد، بالشراكة مع الآخرين، والتمتّع بها بموجب هذا العهد. ومن الجدير بالذكر أنَّ الحق المقرر بموجب المادة 27 هو حقٌّ مستقل ضمن العهد.
وتُخصص المادة 25 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان إلى حقوق الأقليات وتؤكّد أنه: «لا يجوز حرمان الأقليات من حقها في التمتع بثقافتها أو إتباع تعاليم دياناتها». وتجدر الإشارة هنا إلى أنه، على خلاف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية حقوق الطفل، أو الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري أو غيرها من الآليات، لا يشير الميثاق العربي إلى أقلياتٍ عرقية أو دينية أو ثقافية أو لغوية. كما ويُغفل الميثاق العربي أيضاً عنصراً من عناصر حق أفراد الأقليات في التمتع بحقوقهم «بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم». أما فيما يتعلق بالدين، ففي حين يعترف الميثاق العربي بحّق الأقليات في ممارسة دينهم الخاص، إلا أنه لا يتعرف بالحق في المجاهرة بالدين. ويفرض الميثاق العربي أن تخضع ممارسة هذه الحقوق لأحكام القانون، في حين لا يرد هذا الشرط في المادة 27 من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري أو المعاهدات الدولية الأخرى. وبهذا يسمح الميثاق في الحد من ممارسة حقوق الأقليات في حال لم تكن القوانين الوطنية مواتية. ويحظّر الميثاق المعدّل أيضاً التمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو المعتقد الديني أو الرأي أو الفكر أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو الإعاقة البدنية أو العقلية (المادة 3 (1)). وهو ما يتفق عموماً مع الأسس المشمولة في مختلف معاهدات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وعلى الرغم من ذلك، يقوم الميثاق بتحديد حقوق العديد من الحقوق للمواطنين فقط، ولا يعترف بها لجميع الأفراد الخاضعين لسلطة الدولة، كما تفرضه صكوك حقوق الإنسان الدولية المختلفة. فعلى سبيل المثال، يحدّ الميثاق العربي الحقّ في التعليم المجاني، على الأقل في المرحلتين الابتدائية والأساسية والتعليم المستمر على المواطنين، وهو ما يتعارض مع المادة 13 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمادة 28 من اتفاقية حقوق الطفل التي تعترف بحق كل فرد في التربية والتعليم، وأن يكون التعليم الأولي إلزامياً ومتاحاً مجاناً للجميع، وليس فقط المواطنين.
ومن الأقليات المتواجدة في العالم العربي بشكل عام هي:
• الأمازيغ:
أكبر أقلية قومية في الدول العربية. وهم أقدم السكان المعروفين في دول شمال أفريقيا. ينتشر الأمازيغ ما بين المحيط الأطلسي حتى بحيرة سيوة في مصر. ويبلغ عددهم حوالي 36 مليون أغلبهم في المغرب والجزائر، حسب بعض الإحصاءات، لكن بعض النشطاء الأمازيغ يؤكدون أنهم “أغلبية في المغرب والجزائر وليسوا أقلية”. والأمازيغ قبائل متعددة وطوائف كثيرة. كانت لهم علاقات قديمة مع الفراعنة تغيرت بين السلم والحرب. كان الرومان يطلقون عليهم اسم “البربر”، وهو اسم استخدموه لكل من لم يتحدث اللغة اللاتينية. وتعدُّ الطوارق من أشهر القبائل الأمازيغية. ومن بين مشاهير الأمازيغ: طارق بن زياد، عباس بن فرناس، ابن بطوطة وغيرهم كثير.
• الشيعة:
ثاني أكبر طوائف المسلمين. ينتشر الشيعة في كل البلدان العربية ويشكلون أكثرية في أكثر من بلد وأقلية في البلدان الأخرى. للأسف الشديد لا توجد إحصاءات رسمية تضع عددا دقيقا للشيعة في البلدان العربية، ولكن معهد “بيو” وضع دراسة تفصيلية حول الدول التي يتجاوز فيها عدد المسلمين عتبة المليون وقدر عدد الشيعة في العالم بـ 154 إلى 200 مليون نسمة. إلا انه هناك دراسات قام بها بعض العلماء بجهود ذاتية حيث يقدر عدد الشيعة في العالم ما بين 350 – 400 مليون نسمة. وينقسم الشيعة إلى عدد من الطوائف، ولكن أغلبية الشيعة ينتمون للمذهب الاثني عشري (الجعفري)، ومن بين المذاهب الشيعية الأخرى الزيدية والاسماعيلية.
ويجدر ذكره إن أبناء المذهب الشيعي يشتكون من “الاضطهاد” في بلدان تواجدهم، فضلا عن “التهميش السياسي والقمع الديني في البلدان التي يشكلون فيها أقلية”، وأحيانا في البلدان التي يشكلون فيها أغلبية.
وأقام الشيعة العديد من الدول عبر التاريخ الإسلامي، من أبرزها الدولة الفاطمية. وبرز في الوسط الشيعي شخصيات يعد مشاهير على مستوى الفكر والعلم والثقافة والأدب، ومن أبرزهم جابر بن حيان الكوفي مؤسس علم الجبر الذي كان تلميذا عند الامام محمد بن علي الباقر في الكوفة، والفارابي، وابن علي سينا، والفارابي، والخليل بن أحمد الفراهيدي، ومحمد باقر الصدر، ومحمد مهدي الجواهري، وغيرهم.
• الدروز:
ينتشر الدروز في سورية ولبنان والأراضي الفلسطينية وإسرائيل والأردن. وتشير التقديرات إلى أن عددهم يفوق المليون في هذه الدول مجتمعة. ويفضل الدروز تسمية “الموحدين” لوصفهم. يعود أصل الدروز إلى أيام الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله. وتعرض الدروز “لاضطهادات ومحاولات قمع” في عصور مختلفة من عصر المماليك ووصولاً للدولة العثمانية، فقام الدروز بالرد من خلال العديد من الحركات المسلحة مثل أحداث حوران عام 1909. ومن بين مشاهير الدروز: سلطان باشا الأطرش (قائد الثورة السورية)، الشاعر سميح القاسم، شكيب أرسلان، وليد جنبلاط وغيرهم كثير.
ويمكن القول بأنه لا يوجد عملياً أيُ بلدٍ في العالم ليست لديه أقليّة أو أكثر، قومية أو إثنية أو دينية أو غيرها. ولا يمكن استثناء بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من هذا التعميم. ومع وجود الأقليات في هذه البلدان، فإن تلك البلدان تفتقر إلى القوانين والسياسات الملائمة في هذا المجال. وغالباً ما تخضع هذه الأقليات إلى قيودٍ وانتهاكات لحقوقها.
• الكرد:
ثاني أكبر أقلية قومية في الدول العربية. يسكن الأكراد المناطق الجبلية الممتدة بين شمال العراق وشمال شرقي سورية وجنوب تركيا وشمال غرب إيران وفي دول أخرى مختلفة. ويمثل الكرد أغلبية في هذه المناطق. ويبلغ عدد الأكراد في العراق وسورية قرابة ستة ملايين ويبلغ عددهم في دول تواجدهم مجتمعة حوالي 30 مليون. يتحدث الأكراد بلهجات مختلفة، مثل “الكوراني” و”السوراني” وغيرهما. من بين مشاهير الأكراد: صلاح الدين الأيوبي، حسني الزعيم، سعاد حسني ومصطفى البرزاني وغيرهم.
• التركمان:
يتواجد التركمان في منطقة الشرق الأوسط تاريخياً قبل تواجد الأتراك في بلاد الأناضول، ووصلت قوافل الهجرة الأولى الى العراق في نهاية حكم الخلافة الراشدة وبداية حكم الأمويين، وبدات الهجرات تتلاحق حتى غزو التتار والمغول منطقة الشرق الأوسط والذي هم أقوام من التركمان، وأقام التركمان دولاً عدة في العراق وسورية منها آق قويونلو (دولة الخروف الأبيض) وقره قويونلو (دولة الخروف الأسود)، ودوولة السلاجقة وغيرها. وهناك تركمان في ايران وتركيا والعراق وسورية وفلسطين وغيرها من الدول العربية.
ويعد التركمان ثاني أكبر أقلية في العراق، حيث يعد تعدادهم أكثر من مليونين نسمة، مضطهدون من ناحية الحقوق منذ قيام الدولة العراقية الحديثة حيث لم تعترف كل الدساتير العراقية التي كتبت منذ قيام الدولة العراقية الحديثة الى يومنا هذا، وفي الدستور الأخير الذي كتبت عام 2005م وقيل أن الشعب العراقي صوَّت عليه فقد اشار لبعض الحقوق الثقافية للتركمان، إلا أنهم وقعوا تحت اضطهاد من نوع آخر، وبعد احتلال (داعش) قسماً من الأراضي العراقية يمكننا القول أن ما لحق بالتركمان لم يكن أقلَّ مما لحق بالأقليات الأخرى في شمال العراق، وحالياً أصبح العراق يتكون من العرب والكرد بصورة فعلية لا غير مع إزالة غالبية التركمان والمسيحيين والأيزديين والشبك من الوجود العراقي من خلال تهجيرهم من أراضيهم وتدمير بيوتهم وهب ممتلكاتهم، حيث تشير المادة الأولى من الدستور الذي كتب في عهد حكم حزب البعث ان الشعب العراقؤيتكون من العرب والكرد.
• المسيحيون:
موطن نشأة المسيحية هو في الشرق الأوسط، واعتنق هذه الديانة العديد من السكان الأصليين في المنطقة، فالمسيحيون في البلدان العربية خليط ديني وقومي يمثل في كثير من المناطق امتداداً عرقياً للسكان الأصليين. وتحتل مصر المرتبة الأولى بعدد المسيحيين، بينما لبنان هي الأولى من حيث نسبة المسيحيين في الدولة وليس في عدد السكان. ويتواجد المسيحيون في كل الدول العربية بنسب مختلفة. وتبلغ تقديرات عدد المسيحيين في الدول العربية بين 12 و16 مليونا. ومن أشهر الطوائف والأعراق المسيحية: القبطية، والآشورية، والمارونية، والكلدانية والأرمنية والسريانية وغيرهم. من بين المشاهير: جبران خليل جبران، سليمان موسى، مجدي يعقوب، فيروز وغيرهم.
• الأيزديون:
الأيزدي مصطلح مشتق من الكلمة الفارسية “إيزَدْ” والتي تعني الملاك أو الإله. ولهذا فإن اسم الإيزيديين ببساطة يعني “عبدة الرب”، وهو ما يعمد الإيزيديون من خلاله إلى وصف أنفسهم. أما الاسم الذي يطلقونه على أنفسهم فهو “الدواسين”، وهو اشتقاق من اسم “ديوسيس” -أو أبرشية- المأخوذ من المعتقد النسطوري الكنسي القديم في الشرق، حيث استنبط الكثير من معتقداتهم من الديانة المسيحية. كما أنهم يوقرون القرآن والإنجيل معا، بيد أن جزءا كبيرا من تراثهم يعتبر شفهيا. ونتيجة للسرية التي تكتنف معتقداتهم، فإن هناك الكثير من المفاهيم الخاطئة بأن معتقد الإيزيدية المعقد له ارتباط بالديانة الزرادشتية المجوسية، بل وحتى عبادة الشمس. ويصلي الإيزيديون إلى الملك طاووس خمس مرات يوميا، كما أن عندهم له تسمية أخرى هي “الشيطان”، لذا فإن ذلك ما جعلهم معروفين لدى الناس بأنهم “عبدة الشيطان”. ويعتقد الإيزيديون أن الأرواح تنتقل داخل أشكال جسدية متعاقبة، وأن التطهير التدريجي ممكن من خلال التوالد الجديد وتعاقب الأجيال. ويعتبر أسوأ ما يصيب معتنق الإيزيدية أن يُطرد من مجتمعه، حيث إن ذلك يعني أن روحه لا يمكن لها أن تتجدد. لذا فإن اعتناق ديانة جديدة يعد أمراً غير وارد عندهم. إلا أن دراسة حديثة أظهرت أنه وبالرغم من أن أضرحتهم غالبا ما تزين برمز الشمس، وأن مقابرهم تشير إلى جهة الشرق في اتجاه الشمس، إلا أنهم يستقون بعض شعائرهم الدينية من المسيحية والإسلام أيضا.
ومن الصعوبة بمكان تقدير أعدادهم الحالية، التي تتراوح ما بين 70 ألفا و500 ألف. ومع ما يواجهونه من مخاوف واضطهاد وتشويه لصورتهم، فإنه ما من شك أن أعدادهم تناقصت بصورة كبيرة على مدار القرن الماضي. وأفراد الأقلية الأيزدية الذين يقطنون منذ القدم في الشمال من العراق من بين العديد ممن وقعوا ضحايا جراء المكاسب التي حققها التنظيم الارهابي (داعش)، ومما يقرب من 50 ألف إيزيدي حوصروا في الجبال الواقعة في الشمال الغربي من العراق دون غذاء أو ماء من قبل عصابات داعش.
• الشبك:
قد يكون معظم العراقيين بصورة خاصة والمثقفين العرب بشكل عام لا يعرفون كثيرا عن الشبك ولم يسمعوا عنهم إلا بعد سقوط النظام البعثي الذي حكم العراق طيلة 35 عاما باتجاه واحد، والذي مارس كل وسائل التعتيم الإعلامي والرسمي ضدهم، إضافة الى وسائل الترغيب والترهيب التي انتهجها النظام لتغييرهم ديموغرافيا عبر القتل لرجالاتهم وشبابهم بتهم شتى من طائفية وقومية وغيرها، مما جعل إنعدام المعلومات عنهم شيئاً طبيعياً للقاريء أياً كان.
وتتكون كلمة الشبك من مقطعين هما: كلمة “شاه” أي الملك بالفارسية، و”بك” أي السيد بالتركية، وأدمجتا وصارت بـ(شاه بكلر) أي سيد الملوك، [هنا ينبغي توضيح تداخل الكلمتين باللغتين الفارسية والتركية لأن القبائل التركمانية التي وصلت الى ايران قد تأثرت بالثقافة الفارسية قبل التأثر باللغة العربية نتيجة الاحتكاك المباشر بين القوميتين ولذلك نرى كلمة شاه بكلر هي مركبة من كلمتين من اللغتين]، وعربت الكلمة الى [الشبك] وصارت علما لهم بالثقافة العربية.
والشبك هم من الأصول التركية العريقة حيث كان جنكيز خان الذي يسمونه بالخاقان الأعظم يختار الرجال الأقوياء والأذكياء من عشائر القره ناز للقرابة التي تربطه و إياهم، ويضمهم الى جيشه الخاص ويعتني بتربيتهم، وأطلق على هذا الجيش الخاص اسم القبيلة قره ناز، وكان يستعملهم بالمهمات الخاصة لا سيما في إدارة المناطق والبلدان التي يتم السيطرة عليها، وقد أرسل هولاكو حفيد جنكيز خان عشرات الآلاف من هؤلاء القره ناز الى منطقة الشرق الأوسط في غزواتهم، وهؤلاء المعروفين بالشبك في يومنا الحاضر في العراق هم من بقايا قبائل القره ناز التركمانية الأصيلة والذين أسسوا بعد ذلك دولة الآق قويونلو وقره قويونلو في العراق.
لقد إندمج هؤلاء التركمان و أصلهم من تركمان المغول بالمجتمع واعتنقوا الاسلام على المذهب الشيعي نتيجة إعتناق ملوكهم وقادتهم لذلك مثل السلطان الايلخاني بهادر خان أحمد ابو سعيد وآلاجاتيو محمد خدابنده، [ وفي عهد السلطان “آلاجا تيو أي الغول الكبير” الذي بدل إسمه بعد إعتناقه الاسلام الى محمد خدابنده أي محمد عبدالله (703 – 716هـ) وبعد إسلامهم تم ضرب السكة والنقود بنقش الآيات القرآنية عليها وهي آية (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود)، واول درهم ضرب في ذلك العهد في اواسط سنة 704 هـ. وفي أيام السلطان الايلخاني بهادر خان الذي بدل إسمه بعد إعتناقه الاسلام الى أحمد أبي سعيد (716 – 736هـ) نقش آية (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل) على درهم ضرب ببغداد سنة 719هـ وأنه كان على مذهب أبيه آلاجاتيو].
اذن فان عشائر الشبك الحالية هم من بقايا دولة الاق قويونلو وقره قويونلو الشيعيتين التركمانيتين (وحكمت الأخيرة العراق في الفترة 1410- 1468م)، وبعد سقوط دولتهم استوطنت بقايا تلك القبائل في منطقة مرج الموصل وبمرور الزمن اختلطت وتصاهرت مع بعض العشائر العربية والكردية دون أن يفقدوا خصوصيتهم وهويتهم، لهم عاداتهم وتقاليدهم وتراثهم ولغتهم التركمانية القديمة الخاصة بهم حيث تتميز بمفرداتها الخاصة ونغمتها وطريقة لفظها القريبة من اللهجة الجغطائية لأتراك آسيا الوسطى، تميزهم عن مكونات الشعب العراقي الأخرى، وحافظوا عليها عبر الزمن، إلا في حدود خصوصية المجتمع العراقي، وتمكنوا من امتصاص الضغط القومي والمذهبي والتعايش معهم في سلام ووئام رغم معاناتهم وتجاربهم المريرة مع الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق ومحاولاتها طمس هويتهم وفيهم مقومات القومية الأساسية المستقلة عن القوميات الأخرى.
وتحدث المؤرخ العراقي شاكر صابر ضابط في كتابه “التركمان في العراق”، وحين ذكر الموصل قال بان الشبك هم جزء من تركمان العراق مستنداً على العقائد الدينية المشتركة بينهم، لكنه قدم قاعدة لغوية بان التركمان والشبك من أصل لغوي واحد، وتقول هذه القاعدة ان التركمان هم الذين يتكلمون التركية القريبة من الآذرية (الاذربيجانية). والشبك يتكلمون اللغة التركية البعيدة عن اللغة الآذرية (الاذربيجانية). ولكن الشبك وقياداتهم المحلية يؤمنون بانهم قومية ومكون خاص تحت عنوان الشبك ويرفضون كونهم جزءاً من التركمان حتى لو كانت أصولهم من جنس واحد.
النسبة السكانية للشبك: ليست هناك أرقام رسمية دقيقة تبين عدد الشبك في العراق بسبب قلة الاحصاءات الحديثة بهذا الخصوص، وهذا العامل يرجع لسياسة خاصة كانت تتبعها الحكومات العراقية في تهميش القوميات المكونة للشعب العراقي، والتركمان من ضمن من شملهم هذا القانون، إلا أن البعض يرجح ان يتراوح عدد الشبك بين 100- 150 الفاً يتوزعون على أكثر من ستين قرية متفرقة في محافظة الموصل. فلأجل إنهاء هذه المشكلة النسبية لكل مكون فإن العراق بحاجة الى إجراء إحصاء سكاني كامل لإظهار حقيقة مجموع كل مكون بصورته الواقعية بصورة حيادية تامة.
وكان الشبك يتواجدون قبل هجوم داعش عليهم في أطراف محافظة الموصل في عدة نواحي وقرى يصل عددها الى ستين منطقة بين ناحية وقرية حسب الترتيب الاداري لها.
استعمل تنظيم “داعش” الارهابية ضد الشبك تهديدات مباشرة بقتلهم وسبي العوائل والنساء\ن مما اضطرت عوائل الشبك بالهجرة من أراضيها وترك ممتلكاتها الى بغداد ووسط وجنوب العراق، ومن الطبيعي أن هذه الأفراد والعوائل ستندمج بمرور الزمن مع العرب في تلك المناطق وبعد فترة قد لا تكون طويلة ينتهي وجودهم القومي كأقلية كانوا يعيشون بمئات السنين في تلك المناطق آمنين ومقتنعين بمعيشتهم ووجودهم.
• الصابئة:
اختلف المؤرخون في أصل الصابئة المندائيين ونشأة دينهم ومصادره الأولى اذ يؤمنون بالله الواحد الأحد وبأنبيائه، كذلك يؤمنون بالنبي ادم عليه السلام وشيت وسام بن نوح وإبراهيم الخليل وأخيرا بالنبي يحيى بن زكريا (يوحنا المعمدان ) وهو اخر انبيائهم. ويتجه الصابئة المندائيون في صلاتهم وفي ممارسة شعائرهم الدينية نحو جهة الشمال وذلك لإيمانهم بان عالم الأنوار في هذا المكان المقدس من الاكوان. أما في صلاتهم فيعتقدون إن سيدنا ادم عليه السلام كان يصلي سبع صلوات في اليوم، واستمرت عندهم هذه الصلاة حتى ظهور النبي يحيى (ع) الذي جعلها ثلاث مرات.
أما كتبهم المقدسة فاهمها الكنزاربا أي الكتاب المقدس (الكنز العظيم) يحتوي على صحف ادم (ع)، كذلك على بدء الخليقة والتطورات التي حدثت للبشر وفي صفات الخالق وفي الوعظ والإرشاد . أما الكتاب الثاني (ادراشا اديهيا) أي تعاليم النبي يحيى (ع).
تواجد الصابئة المندائيون منذ القدم في جنوب ما بين النهرين , واللغة التي ينطقون بها هي اللغة المندائية الآرامية بلهجتها الشرقية.
ويجدر ذكره أن الصابئة كأقلية لم تتضرر في طول فترة وجودها في الوسط الشيعي العراقي، بل عاشوا بصورة طبيعية بعيداً عن كل أنواع الضغوطات الفكرية والعقائدية. ولم يتضرر الصابئة عن هجوم تنظيم “داعش” شيئاً لبعد المناطق التي يقطنونها عن المناطق التي استولى عليها داعش، لكن بعض التنظيمات الارهابية كالقاعدة وامثالها قاموا ببعض التفجيرات في وسط الصابئة ووقع نوع من الضرر فيهم، لكن حكمة المرجعية الدينية الشيعية الذي طلب من الشيعة حماية هؤلاء المستضعفين ومناطقهم وأموالهم فدافع عنهم الشيعة والى يومنا هذا.
٣- ما اثر التعدي على حقوق هذه الفئة من الناس؟ وما هو الحل؟
نظراً لحكومات قامت في الدول العربية بنظرة قومية وفي بعضها بروح طائفية مقينة بأفق ضيق، فتعدَّت هذه الحكومات على حقوق هذه الأقليات بشكل عام من مختلف الأصعدة الثقافية والعلمية والسياسية والاقتصادية وغيرها، ولم يشركها في مواقع القرار السياسي والادراي.
ومن هنا يمكن اعتبار حقوق الأقليات بكونها من حقوق الإنسان وحقوق المواطنة بصورة عامة، وينبغي وضع ضمانات لحقوق الأقليات قيد الإجراء تضمن أن تتمتع بحقوق الإنسان والمواطنة على غِرار أعضاء المجتمع الآخرين، ويلزم وضع ضمانات محددّة تؤّكد على حقوقهم كأقليات وكمواطنين بلا تمييز عن المواطنين الآخرين. وتساعد هذه الحقوق على وجه التعداد وليس الحصر في: حماية ثقافات وأديان ولغات الأقلّيات وتعزيزها، الى جانب ذلك تيسير مشاركة هذه الأقلّيات على قدم المساواة في الحياة العامة وفي صنع القرارات التي تؤثّر فيها أسوة بأغلبية المواطنين. وكذلك حماية الأقليات من الأذى ومن التمييز. لذا يمكن تلخيص أسس حقوق الأقليات في العناصر المحددة التالية: حماية الوجود. ورفع التمييز، وحماية الهوية والمشاركة على أسس المواطنة والكفاءة في مختلف مجالات الحياة العامة للحكومة والدولة.

٤- كيف ترى وضع الوعي والثقافة والالتزام بالقوانين بين هذه الأقليات؟ وهل هي تشكل خطراً يهدد اي مجتمع ان تجاهلها ولم يعطيها كامل حقوقها؟

في حدود ما أعلم أن دساتير الدول العربية لم تحمي الأقليات على اساس المواطنية، وأدل دليل على ذلك إبعادهم عن مواقع اتخاذ القرار في مختلف مجالات الحكم والدولة، ومن الطبيعي ومع انتشار وسائل الاعلام وشبكات التواصل الاجتماعي والانفتاح الثقافي في مختلف مناطق العالم بشكل عام والعالم العربي بشكل خاص، والضغوطات السياسية والاقتصادية والاجتاماعية التي يعيشها الانسان في العالم العربي، فإن الأقليات أكثر تحسُّساً من هذا الوضع المزري، فمن الطبيعي أن يطالبوا بحقوقهم كمواطنين للاحتفاظ بهويتهم الثقافية والقومية والدينية والمذهبية من خلال العمل ضمن الدائرة الوطنية الواحدة التي تجمعهم مع أخوتهم الآخرين في الوطن كمواطنين.
ووفقاً لتقارير خبراء الأمم المتحدة المعنيين بقضايا الأقليات، فيذكرون أنه هناك أربعة التزامات عامة يجب أن تأخذها الدولة على عاتقها من أجل احترام حقوق الأقليات وضمانها:
1. حماية وجود الأقليات، بما في ذلك من خلال حماية سلامتهم البدنية ومنع الإبادة الجماعية.
2. حماية وتعزيز الهوية الثقافية والاجتماعية، بما في ذلك حق الأفراد في اختيار أي من الجماعات العرقية أو اللغوية أو الدينية يرغبون أن يعرّفون بها، وحق هذه الجماعات في تأكيد هويتهم الجماعية وحمايتها ورفض الاستيعاب القسري.
3. ضمان فعالية عدم التمييز والمساواة، بما في ذلك وضع حدٍ للتمييز المنهجي أو الهيكلي.
4. ضمان مشاركة أفراد الأقليات الفعّالة في الحياة العامة، ولا سيما فيما يخص القرارات التي تؤثر عليهم.

٥- مستقبل الأقلية المسلمة في بلاد الغرب الى أين؟

نظرا للقوانين السائدة في الدول الغربية لسيادة القانون من جهة،وانتشار مفاهيم حقوق الانسان من جهة أخرى، وتمتع أفراد الأقليات بجنسيات هذه الدول بشكل عام، فإن هؤلاء أفراد يتمتعون بكامل حقوق المواطنة في هذه الدول، ومن هنا نجد فيهم أناس متقدمون في المجالات العلمية والسياسية والاقتصادية نتيجة أجواء الحرية التي يعيشونها والحقوق التي يتمتعون بها. ومن هنا نرى أن للأقليات في الغرب مستقبل موعود ضمن مفهوم المواطنة الذي يحكم في هذه البلدان الذي لا يميِّز بين مواطن وآخر في الحقوق والواجبات.

٦- هل سينجح الأكراد في العراق أو في الدول الثانية في تحقيق استقلالهم والحصول على دول كردية مستقلة؟

إقامة الدولة الكردية حلم كبير يعيشه الكرد ولا سيما في عصرنا الحالي، ومن حق كل أحد أن يعيش بالأحلام، لكن تحقيق بعض الأحلام هي ليست بيد الحالم نفسه في كثير من الأحيان ولا سيما الأحلام المتعلقة بارادات الأقوياء. فهل الأقوياء الذين قد تتضرر مصالحهم سيرضون بتحقيق مثل هذا النوع من الحلم ويسمحون بتحقيقها؟ وهناك أسئلة كثيرة في هذا المجال مطروحة من قبل المهتمين والسياسيين يمكن الاطلاع عليها في وسائل الاعلام المختلفة. وطبعاً قادة الكرد أنفسهم لا يخفون بالتصريح بين حينة وأخرى حول هذا الحلم ومدى جديتهم في تحقيقه.

٧- لماذا الأقلية لا تتعايش مع الأكثرية دون صراعات ونزاعات وتتقبل الواقع المفروض عليها أو ضعفها في تحقيق استقلالها؟

الانسان بطيعته خلقه الله حراً، ومن مظاهر هذه الحرية أن يتمتع بحقوقه كاملاً كما يؤدي واجباته كاملاً، فحينما يرى أن القوي يطلب منه أداء الواجبات ولم يمنحه حقوقه مقابل ذلك فمن الطبيعي أنه يجهد نفسه للحصول عليها ولو بالقوة والتضحيات، فنجد أن حقوق الأقليات ضائعة ضمن حكم الغالبية في الدول العربية، والأقليات تسعى في إثبات وطنيتها بتضحياتها المستمرة في سبيل الوطن والالتزام بالقوانين الصادرة بكل جدارة واهتمام لكن كل ذلك دون جدوى في نيل ولو شيء نزير من حقوقها الطبيعية كمواطنين لهم ثقافتهم القومية أو الدينية أو المذهبية. وللخروج من هذا المأزق الكبير ينبغي على المشرعين والحكام في الأنظمة العربية تشريع مواد دستورية تضمن حقوق أفراد هذه الأقليات، وعلى الجهات التنفيذية اشراكهم في مواقع اتخاذ القرار على اساس المواطنة والكفاءة.
٨- هناك اقليات صنفوا حسب الجنسية والهوية وأقليات صنفوا حسب الدين فما الفرق بين هذه الأقليات وتلك الأقليات؟ وأي قضية هي الأقوى الإنتماء بالوطن أم بالدين والإيمان؟
حينما يرى الانسان نفسه مظطهداً في حياته فمن الطبيعي يسعى لحماية نفسه أولاً وبالذات الاحتماء بالأفكار التي يؤمن بها سواءاً قومية أو دينية، ويتبع هذه الحماية حسب الظروف السائدة، ولربما نجد عند أقلية العامل المذهبي قوياً فيحتمي به، وآخر نجده أن عامل القومية أقوى في نفسه فيحتمي بها، وطبيعة أفكار الناس والأفراد تختلف بالانتماء للعامل الديني أو القومي، وقد تكون هناك مؤثرات خارجية تغلب جانباً على جانب آخر في الانتماء، وإلا من المفروض أن الانتماء الديني يعدُّ عاملاً فطرياً في نفس الانسان، وكذلك الانتماء القومي البعيد عن العصبية، وفق الآية القرآنية الكريمة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) سورة الحجرات، آية 13. ويمكننا الاستدلال بهذا النص القرآني من ناحية المواطنة الصالحة ونقول: إن المواطن الصالح أمام الدستور هو من يطبق مواده وقوانينه بصورة سليمة، وإنَّ أفضل الحكومات هي من تضع مقدرات البلاد بيد الأفراد الصالحين والكفوءين الذين ينفذون القانون بصورة عادلة وسليمة بعيدا عن التنييز بين المواطنين في مختلف مجالات الحياة.

٩- للوعي أثر كبير على تصرفات كل إنسان او كل مجموعة، لكن الطبع يغلب على التطبع. كيف تشرح لنا ذلك؟

يعد الوعي الحالة العقليّة التي يتم من خلالها إدراك الواقع والحقائق الّتي تجري من حول الانسان، وذلك عن طريق اتّصاله مع المحيط الّذي يعيش فيه ابتداءًا، واحتكاكه به ممّا سيسهم في خلق حالة من الوعي لديه بكلّ الأمور التي تجري وتحدث من حوله، ممّا يجعله أكثر قدرة على إجراء المقاربات والمقارنات من منظوره هو وبالتالي سيصبح أكثر قدرةً على اتّخاذ القرارات التي تخص المجالات والقضايا المختلفة التي تطرأ له. والوعي أيضاً هو المحصول الفكري الذي ينضوي عليه عقل الإنسان، بالإضافة إلى وجهات النظر المختلفة التي يحتوي عليها هذا العقل والتي تتعلّق بالمفاهيم المختلفة التي تتمحور حول القضايا الحياتيّة والمعيشيّة. فقد يكون الوعي وعياً حقيقياً بطبيعة القضايا المختلفة المطروحة حول الإنسان، وقد يكون وعياَ مُضللاً لم يدرك الأمور على حقيقتها.
ولا يخفى أن سيطرة العقل الجماعي على تصرّفات العامّة، ونفوذ وسائل الاعلام في أفكار الناس مما جعلهم يقعون في أسر الوعي الخاطئ. اضافة الى دور التعليم والمؤسسات التعليمية المختلفة، حيث إنّ هذه المؤسّسات تتجمّع مع بعضها البعض لتشكّل الوعي الذي قد يكون زائفاً وقد يكون حقيقياً، فالمؤسّسات التعليميّة والمؤسّسات الدينيّة لديها القدرة على إخفاء الحقائق وإظهار حقائق أخرى لقلب الموازين وخلق رأيٍ عام تجاه قضيّة معينة تماماً كما يفعل الإعلام. ولن نغفل في هذا المقام دور المؤسّسات العامّة والرسميّة والفن والمثقّفين والأدباء والكتّاب والعلماء, فكلّ هؤلاء يسهمون أيضاً في تشكيل الوعي العام.
تصح مقولة “الطبع يغلب التطبُّع” عند عامة الناس، إلا أننا حينما نقرأ ما ورد عن رسول الله (ص): (إنما العلم بالتعلُّم، وإنما الحلم بالتحلُّم)، فنجد إن هذا النص ينسف المقولة المشهورة والتي يعتقد البعض بصحتها من أن الطبع يغلب التطبع، والمفروض أن التطبُّع يغلب الطبع عند العقلاء من الناس، وهناك أمثلة كثيرة في حياة الانسان على ما نذهب اليه فمثلاً: الحبو عند الطفل يكون طبعاً لفترة من الزمن وينسف السكون وعدم الحركة، ثم بعد فترة المشي ينسف الحبو، ثم الجري واللياقة نسفت مجرد المشي، كذلك الكلام ينسف البكاء والسكوت وغيرها. فيجب ان نعلم جيدا عندما يستمر أي انسان فترة معينة على تغيير ما في طبائعه وسلوكه فإنه ينسف الطبع القديم، واذا ما استمر بعد نسفه فترة أطول تحول التطبع الجديد إلى طبع، كالمدخن المتطبع بعادة التدخين فبعد تطبعه بعدم التدخين فيكون الأخير طبعاً له.

١٠- كلمة اخيرة لجريدة نقطة ضوء الاخبارية؟

أقدم الشكر والامتنان لجريدة نقطة ضوء الاخبارية على فسحها المجال لابداء الرأي في موضوع الأقليات في العالم العربي، وهذه الجريدة تتميز بشفافيتها في نقل المعلومة سواء أكانت سياسية أو ثقافية أو اقتصادية أو أي مجال آخر، أبارك لها مهنيتها، وكلما التزمت الوسيلة الاعلامية بالمهنية والصدق دخلت الى قلوب الكثيرين ولو بعد حين، لأنه لا يصحُّ في النتيجة إلا الصحيح. والشكر والتقدير متواصل للاعلامية الفاضلة هويدا ناصيف على تواصلها وإجراءها للحوار أعلاه.

الإعلامية هويدا ناصيف / مكتب وكالة نقطة ضوء الاخبارية لندن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *