كل المقالات بواسطة هويدا ناصييف

الفنان والأمل حوار هويدا ناصيف والفنانة التشكيلية كريستين جميل

إبنة الأرز ، فخر ُ لبنان ،موهبة العصر وإبداع الرسام إنها كرستين جميل الفنانة التشكيلية اللبنانية الأصل .
ولدت كريستين جميل في لبنان سنة ١٩٧٣ وإنتقلت الى العيش في لندن منذ أكثر من ٣٠ سنة . بدأت إكتشاف موهبتها الفنية في سن مبكرة وأكملت دراستها الفنية في مدرسة هامبستيد الشاملة لندن ، حصلت على ” التصميم الداخلي الناجح” وعلى ” التميز ” أيضاً من أكاديمية ريجنت للفنون الجميلة عام ١٩٩٧. حاورتها وإليكم فحوى الحوار …..


‎١-عرفينا عن نفسك بطريقتك الخاصة ؟

أنا فنانة تشكيلية ،أم لولدين ،زوجة ،أخت ،وصديقة.
اعشق الحياة والفن بكل أنواعه والإحساس الجميل.
الفن بالنسبة لي مثل الهواء لا أسطتيع العيش من دونه ، فِهو يمشي في دمي ويعطيني الأمل في زمن اصبح من الصعب العيش فيه، لكثرة الطمع وعدم الاكتفاء، أكيد أنا أسعى دائماً لتطوير نفسي ولكن بدون إلغاء الآخر ،
بدايات مسيرتي الفنية كانت منذ كان عمري ٩ سنوات وسأستمر بمسيرتي إلى اخر نفس في عمري .

‎٢-حدثينا عن ميلاد اول لوحة لك وما كان اسم هذا العمل؟

اول لوحة لي كانت بعنوان ، الحرية، العدالة، و
الانصاف(
‏(equality, freedom, justice)
كانت عبارة عن سيدة واقفة وفوقها زنار مكتوب عليه كلمات ، الحرية، العدالة،
والانصاف
كانت اكبر لوحة أخذت من الوقت اشهر لإكمالها على قطعة قماش واستعملت اللوحة في مسرح المدرسة التي كنت ادرس الفن فيها ، وأعجب معلم الفن بعملي جداً وكنت حتى في وقت الغداء والفرص أبقى في صف الرسم

‎٣-أي فنان تشكيلي كان له تأثير كبير على اعمالك ولماذا ؟

Leonardo da Vinci
أعماله تركت بصمة في مسيرتي الفنية ،
ويعتبر أحد أعظم عباقرة البشرية ,كرّس حياته للفن والعلم أعطى كل ما لديه من طاقة .
تعلمت منه الكثير ,
الفن موهبة ولكن يتطلّب الكثير من العمل لتطوير وتحسين الذات ، والمسابرة و
الموهبة لوحدها لا تكفي إذا لم نعمل باصرار على التدريب وتغذية الثقة بالنفس.

‎٤-كيف يطغو اللون على لوحاتك
ويعكس احاسيسك الداخلية ؟

قبل البدء باي عمل فني، اختار الألوان المناسبة لللوحة للتعبير عما يجري في داخلي من احاسيس فرح أو حزن ولكن في بعض الأحيان ألجأ إلى اضافة أو إلغاء لون معين وذلك بسبب مزاج داخلي أو احساس ما فالعمل يليق به التغيير.
اللوحة بكاملها مع الألوان تعبر عن ما يجري من احاسيس عميقة حتى في بعض الأحيان تفاجئني بما كنت اشعر.
اعتقد ان الفن يشفي الروح من ارتباكات داخلية ويريح الفنان والمشاهد على ما اعتقد.

‎٥-ما هي الرسائل التي ارسلتيها عبر الريشة والألوان؟

في اخر معرض لي رسالتي كانت واضحة فهي العلاقة التي تجمع بين الإنسان والطبيعة،
وحاولت ان اجعل المتفرج يشعر بأهمية الطبيعة وأننا بحاجة ماسة للحفاظ عليها ، وان الطبيعة تستطيع الاستمرار بدون وجود الإنسان أما نحن لا وجود لنا بدونها.
أنا اجد نفسي عندما ارسم الطبيعة ، تأخذني إلى عالم الراحة والفرح والانتماء.
الطبيعة هدية غالية وملك الجميع ، تعطينا السحر والسعادة.
ويسحرني أيضاً مفهوم الشجرة ، لهذا السبب اخترت رسم الشجرة مع الإنسان كمثال عظيم كيف يجب العيش بسلام مع الإنسان الآخر.
الشجرة رمز الإنسانية ، وكل شخص منا جذع من جذوع الشجرة و ناتي من نفس الجذور ، فما علينا الا تقبل الآخر لنعيش بسلام.

٦-‎هل تمتلكين موهبة أخرى غير الرسم ؟ حدثينا عنها ؟

أنا احب ممارسة الرياضة باستمرار spinning classes. الرياضة مهمة جداً للجسد والعقل
وأكثر الأوقات يأتيني الإلهام والأفكار خلال ممارسة الرياضة
وأحب ركوب الخيل فتعلمت وأخذت دروس في هذا المجال فأنا أعشق الخيل واعتبره من اجمل ما خلق الله على الأرض .

‎٧-ماذا اهديتي المراة اللبنانية بشكل خاص والمرأة العربية بشكل عام من خلال لوحاتك الفنية ؟

أهديتها فني ولوحاتي والأمل في ان تجده على صعيد أي مهنة أو اختصاص تاديه في حياتها ، أهديتها
حب الوطن والانتماء رغم كل الظروف الذي يعانيه الوطن اللبناني والعربي .

‎٨-هل حققت أحلامك كأنثى أو كفنانة ؟

حققت جزء من حلمي كأنثى وفنانة فالاثنين جزء لا يتجزء مني أنا ومن شخصيتي
وأنا لا زلت في اول الطريق من مرحلتي الفنية وأسعى
دائماً لتطوير نفسي والتقدم في مجال الفن والمطالعة

‎٩-كيف تولد الفكرة ومتى تترجم بالالوان؟ وهل هناك افكار تبقى عالقة ما بين كيف ومتى ؟ لماذا ؟

الرسم بالنسبة لي هو الابحار في أعماق الذات وانعكاس اللاوعي في العمل الفني وعندما ارسم لا شيء في ذهني غير الهروب من هذا العالم إلى العالم الخاص بي .
الفكرة تولد من احساس داخلي أو مرحلة ما امر بها في حياتي تجعلني اود التعبير عنها بلوحة ، في بعض الأحيان عندما ابدأ برسم اللوحة أضيف اليها ألوان أو تعابير معينة حتى اشعر بان اللوحة اكتملت أو أعطتني ما أردت لأحصل على الرسالة التي تتضمنها
مثل لوحتي
الأمل
“Hope”
وهي من اللوحات المفضلة ، كنت اود ان يشعر الناظر اليها بما اشعر به ، وهوا ان نفتش عن الأمل حتى في اصعب المراحل من حياة الإنسان .
أنا لا اعرف هذه الفتاة ولكن شعرت وكأنني اعرفها ، ولهذا السبب قررت تلوين العين الشمال من عينها مثل لون عيني والسبب أني شعرت وكأنها جزء مني،
أنا لا اعرف هذه الطفلة ولكن احسست الخوف بعينيها، الحزن، وايضاً بصيص أمل إلى
العالم ومستقبل أفضل…..

‎١٠-برأيك هل اعطيتي الفن التشكيلي حقّه وهل أعطاكي بدوره هو حقُّكِ
‎كفنانة؟
في أي عمل فني أقوم به يكون نابع من القلب ، من صميم روحي، وتصبح اللوحة قطعة مني، ولذا تكون اللوحة بمثابة جزء من شخصيتي الخاصة وهكذا أكون قد أعطيت الفن حقه ، وأعطاني حقي بالتعبير عن ما يجري بداخلي .

‎١١-أين أنت من الانتفاضة والثورة التي يعيشها لبنان حالياً كإنسانة وكفنانة لبنانية الجنسية ؟

على صعيد الثورة التي يعيشها وطني لبنان الحبيب أنا منتفضة ومنفعلة جداً من الذي يحصل ، وحزينة جداً جداً.
ازور لبنان كل ما سمحت لي الظروف وكل مرة وللأسف المس واشعر كيف المواطن اللبناني يعاني وبحاجة ماسة إلى معجزة لتغيير الوضع لكي يحصل على ابسط حقوق الإنسان، الكهرباء، العلاج، الأدوية ، الماء ووووو…..
فغير مقبول في زمننا هذا رؤية طفل يتسول أو جائع ولا رؤية مسن مرمي على حافة الطريق .
أنا أعيش في المملكة البريطانية منذ ٣٠ سنةً وأحب إنكلترا بالتساوي، ولكن قلبي معلق بلبنان وحنين العودة يوم ما.
ولقد استطعت ان اقدم لوحة أرزتنا الحبيبة للتعبير عن حبي لوطني الغالي لبنان.


١٢ – ما هي المعارض التي شاركتي فيها في العالم العربي والغربي ؟

المعارض:

من 16 إلى 27 أبريل 2014 في Brick Lane Gallery. ش 7 – 21 مارس 2015 في معرض هاسلر للفنون لندن N12.

من 4 إلى 6 سبتمبر 2015 في معرض الفنان الجديد ، The Old Truman Brewery ، لندن E1.
ش 9 – 12 سبتمبر 2015 في معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية (ADIHE).

بالتعاون مع Boutros Fonts ، بالتعاون مع Mourad Boutros ، أحد أشهر فناني الخط العربي في العالم ، لإنشاء تعاون فريد من نوعه لقطعة واحدة من زيت الفن على قماش مع ظهور رسالة.

4 سبتمبر 2016 – 8 أكتوبر 2016 في معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية (ADIHE) 2016.
ش 1 ديسمبر 2016 في مبنى أبيض وأسود ،
74 شارع ريفينغتون ، EC2A مع ظهورات إبداعية.

26 مارس 2017 – 1 أبريل 2017 في Royal Opera Arcade Gallery ، Pall Mall ، لندن SW1Y 26.

8 يوليو 2017 في معرض إنفيلد للفنون والتصميم N21 Festival Fair.

13 – 15 أكتوبر 2017 في معرض لاندمارك لفن الخريف.

9 – 14 يوليو 2018 في Royal Opera Arcade Gallery
لا جاليريا بال مول ، لندن SW1Y 4UY.

من 6 إلى 10 أغسطس 2018 معرض كارافان “Kahlil Gibran” المستوحى من معرض Sotheby ، 34-35 New Bond Street ، مايفير ، لندن W1A 2AA.


‎١٣-ما هي كلمتك الاخيرة للقراء
‎ولمجلتنا ؟

أتمنى أن أكون قد اختصرت قصة مسيرتي الفنية وانشالله قدرت ان أوصل الأمل لكل القرّاء والمتابعين
وأشكر مجلتكم الكريمة لمنحي هذه الفرصة لايصال رسالتي الفنية والإنسانية .

حاورتها هويدا ناصيف / لندن

علوم غيّبتها الحواضر واستحضرها غرب المحافل العلمية وشرقها

علوم غيَّبتها الحواضر واستحضرها غرب المحافل العلمية وشرقها

اتسم علماء العصور الغابرة بأنهم يغترفون من كل علم غرفة، ولهم في كل حقل يد، وأقدامهم تحط على عتبة هذا العلم وذاك، ويشتهرون في حياتهم أو بعدها بعلم أو مجموعة علوم، وإن كانت الصفة العامة لمجموع العلماء وبخاصة في العالم الإسلام هو التفقه، فيقال فقيه مفسر، وفقيه روائي، وفقيه فيلسوف، وفقيه متكلم، وفقيه عرفاني، وفقيه رحّالة، وفقيه رياضي، وفقيه فلكي، وهكذا مع سائر العلوم، فالصفة العامة أنهم فقهاء لكن لكل واحد منحى اشتهر به وأبدع فيه.
ومن معالم الدراسة في السابق أن علوم الحساب والرياضيات والجبر كانت جزء من مناهج التتلمذ، وإلى يومنا هذا فإنها في المدارس الرسمية وفي الكتاتيب تعد جزءً من الدراسة، وقد أثبتت التجربة أن دروس الرياضيات تنعش ذاكرة المتعلم وتغذيه وتفتح آفاقه وتهديه إلى سبل علوم أخرى مماثلة، ومن ذلك علم المنطق التي تقوم مقام الرياضيات في تنشيط الذاكرة وتقويتها، بل ربما كانت الرياضيات مدخلا الى تلقي العلوم الاخرى وهضمها وفهما وعلى وجه السرعة.
ومع اتساق رقعة العلوم وتشعبها وامتدادها انتهى الأمر الى التخصص في العلوم، وتوزعت المدارس والمعاهد والكليات على العلوم المختلفة، العقلية والنقلية، النظرية والتجريبية، الأحيائية والتطبيقية، وهكذا، فكان علم الفقه وأصوله، علم الفيزياء، آداب اللغة، علم الجغرافيا، علم الإقتصاد، علم الطب، علم الرياضيات، علم الكيمياء، علم الإجتماع، علم النفس، علوم الهندسة، وعلم الحاسوب، وهكذا تمدد بساط العلوم وتنوعت فساطيطها.
ولكن ما يشاهد في مجمل هذه العلوم أن الرياضيات جزء لا يتجزأ منها، والكثير من العلوم الحديثة قائمة على الرياضيات وتفريعاتها، وفي الدراسة الأكاديمية يعتبر صاحب الدرجة العليا في الرياضيات الأقرب إلى الظفر بدراسة عالية وما يعقبها بعد ذلك من شهادة عالية تفتح له مغاليق الحياة.
بين يدي كتاب “الأوزان والمقاييس” للفقيه المحقق الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر حديثا (2019م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 271 صفحة من القطع الوزيري مع مقدمة لعالم الرياضيات السعودي، المولود بالنجف الأشرف بالعراق سنة 1952م الدكتور عدنان الشخص، إذ يعكس الكتاب الصورة التي كان عليها العلماء في الحواضر العلمية مثل الأندلس والقيروان والزيتونة والأزهر والإسكندرية ودمشق وبغداد والنجف وكربلاء والحلة وإصفهان وشيراز ومشهد، وغيرها، حيث كانوا وإلى وقت قريب يجمعون في دراساتهم وأبحاثهم بين علوم مختلفة وبعضها تصنف ضمن العلوم الغريبة.
بدايات أولية ولكن
تمثل الأوزان والمقاييس الجانب الأظهر في علوم الحساب منذ اطلاع الإنسان الأول على علم الرياضيات والاستفادة منها في حياته اليومية، من بيع وشراء للمنقول وغير المنقول، ومن حركة وتنقل في البر والبحر، وخضعت الأوزان والمقاييس كغيرها من العلوم إلى التطور مع مرور الزمن، وليست هناك علوم تأتي من خارج نظاق الكرة الأرضية ونواميسها ونظامها، فكل العلوم موجودة وقائمة ولكن العلماء بحاجة إلى اكتشافها ومعرفة قوانينها، فالحياة قبل خمسة آلاف سنة على سبيل المثال ليست هي قبل أربعة آلاف سنة، وليست هي قبل ثلاثة آلاف سنة أو قبل ألفي سنة أو ألف سنة، بل والعلوم من سرعتها تختلف بين قرن وآخر وعقد وآخر وسنة وأخرى، بل شهر وآخر، فما تعرضه الشركات من تقنيات إنما هو جيل قديم وإن تم إدخاله عالم السوق لأول مرة، لأن هذه الشركة أو تلك تمتلك من هذا التقنية ما هو أكثر تطورا ولكنها تعرضه بعد فترة من الزمن وفي حوزتها ما هو أكثر حداثة وجدة من المعروض.
في السابق كان العلماء في مجال الأوزان والمقاييس يعرفون الكتلة أو الوزن، والحجم أو السعة، والطول، والمساحة، ثم تطور العلم وأدخلوا الزمن، ولم تعد الأوزان والمقاييس مقتصرة على ما تعارف عليه الناس في القديم، حيث دخلت فيها الحرارة والرطوبة والضوء والطاقة الكهربائية والطاقة المائية والطاقة الذرية والطاقة النووية، وتطورت منظومة الأوزان والمقايس، وصار لكل حقل من حقول الحياة وزنه ومقياسه، وإن بقيت المقاييس القديمة تستعمل حتى يومنا هذا وبتعبير الباحث السعودي الدكتور عدنان الشخص في تقديمه للكتاب: (كان البابليون القدماء منذ آلاف السنين يمارسون كتابة الأعداد ولاسيما في الأعمال التجارية، وكانت الأعداد والعمليات الحسابية تدوَّن فوق ألواح الصلصال مستخدمين الكتابة المسمارية، كانوا يعرفون العمليات الحسابية الأربع الجمع والضرب والطرح والقسمة، وكانوا يتَّبعون النظام الستيني الذي تتكون فيه الوحدة الواحدة من 60 جزءًا، وما زال النظام الستيني مُتَّبعا حتى الآن في قياس الزوايا في حساب المثلثات وقياس الزمن: الساعة= 60 دقيقة، والدقيقة= 60 ثانية).
جديد القديم
وبالطبع ومع مرور الزمن وتطور وسائل التقنية واتساع مساحة المعارف تم تقسيم الدقيقة والثانية إلى جزئيات أصغر وأصغر، فضلا عن استحداث أوزان ومقاييس وأحجام تتبع كل حقل من حقول المعرفة، فصار للذرة وزنها، وللضغط الجوي مقياسه، وللذكاء درجاته، وللإختبارات الدراسية والإمتحانات الفصلية والعامة درجاتها، وللبصر درجاته، ولحلبات المصارعة والملاكمة أوزانها، فضلا عن العلامات والرموز التي هي صورة أخرى من الأوزان والمقاييس.
وإذا كانت هناك مقاييس وأوزان مشتركة بين بني البشر مثل جدول الضرب وتقسيم الساعة والدقيقة والثانية، وتقسيم أيام اليوم بالساعات، والشهر بالأيام، والسنة بالأشهر، فإن بعضها تختلف بين أمة وأخرى فالسنة هي اثنا عشر شهرا، ولكن أيامها تختلف، فالسنة الهجرية غير القمرية، والسنة الصينية غير الفارسية، وأيام الشهر ليست كلها ثلاثين يوما، وهكذا وبتعبير المؤلف في التمهيد: (ولشدة الحاجة إلى هذه المقاييس نرى أن كل أمّة وضعت لنفسها مقاييس تعتمد عليها في حياته اليومية، ومن الصعب جدًا معرفة كل هذه المقاييس، إلا إننا نحاول وضع اليد قدر المستطاع على كل المقاييس التي لها دور في حياتنا سواء القديمة منها أو الحديثة) على أن المقاييس وإن اختلفت لكنها تشترك مع اخرى، ولذلك حسبما يرى المؤلف وما هو واقع حال: (إن هذه المقاييس منها ما لا لها علاقة بالأخرى، وذلك لأنَّ أصل التقسيم فيها يعود إلى سبعة تكتلات وهي: الوزن، السطح بما فيه، الإرتفاع، إشراق الضوء، الزمن، المقدار، التيار الكهربائي، والحرارة) ويضرب بالضوء والضغط مثلا إذ: (ترتبط مقايس الضوء بالوزن والزمن والقياس والسطح، ومثله الضغط يرتبط بالمقياس الحجمي والوزن والزمن وغيرها).
لقد غاص المحقق الكرباسي في باب المقاييس والاوزان ووضع الكثير من الجداول التوضيحية إلى جانب العشرات من العناوين توزعت على سبعة أبواب هي: المقاييس، الأوزان، المكاييل، الدرجات، التواقيت، الوحدات، والأرقام.
فالمقياس: وحدة متفق عليها لتقدير كميات من نوعها، مثل وحدة قياس الطول والسطح والحجم.
والوزن: وحدة وضعت لمعرفة زنة الشيء ومقدار ثقله، مثل وحدة وزن الأثقال الجامدة والأثقال الثمينة والأثقال السائلة.
والمكيال: وحدة قياس الأحجام، ومنها الليتر.
والدرجة: وحدة مقياس وضبط، مثل ضبط درجة الحرارة والبرودة والرطوبة والضغط الجوي والبحري والأرضي، وأمثال ذلك.
والتوقيت: وحدة ضبط الزمان، من قبيل ضبط السنة والشهر واليوم والساعة والدقيقة.
والوحدة النقدية: وحدة ضبط النقد وما يتداوله الإنسان في تعاملاته، من ذهب وفضة وعملة نقدية وورقية واعتبارية.
والرقم: وحدة لها قيمة مثل الحرف عند التفاهم، وتتمثل في الأرقام والأعداد ومضاعفاتها وفي معادلات الحروف بالأرقام وفي الرموز.
تفاصيل وجزئيات
لا يخفى أن الحديث عن الأرقام يختلف بشكل ملحوظ عن الحروف والكلمات، فكل متعلم له أن يقرأ العبارة ويفهما كلها أو بعضها أو مضمونها، ولكنه من الصعب فهم الأرقام والمعادلات إن لم يكن بها خبيرا، فالرياضي له أن يفهم النص إلى جانب معرفته بالأرقام، على أن الأديب وإن أعجزته الأرقام هو في حقله خبير حاله حال الرياضي، ولا يمكن للرياضي أن يصل مرحلة الأديب، وهكذا فكل في مضمار علمه فارس وأمير.
وللوقوف على مجمل ما تضمنه كتاب الأوزان والمقاييس، يكفينا في ذلك المرور على أهم العناوين التي تفرعت منها الأبواب السبعة.
الباب الأول: المقاييس: مقياس الطول في النظامين الفرنسي والبريطاني، مقياس السطح في النظامين الفرنسي والبريطاني، ومقياس الحجم (المكعب) في النظام الفرنسي والبريطاني والقديم.
الباب الثاني: الأوزان: الفرنسي والإنكليزي والقديم والوزن الذري.
الباب الثالث: المكاييل: في النظام الفرنسي والإنكليزي والأنظمة الأخرى.
الباب الرابع: الدرجات: مقياس الطقس، والضغط، والطاقة، والإختبار، والدائرة، والنظر، والطول والوزن البشري، والبروج ومسير الكواكب.
الباب الخامس: التوقيت الزمني: مجمل التوقيت الزمني، والسنة والتاريخ، والتواريخ المعروفة، وأيام السنة في التقاويم، والأخيرة تضم: السنوات التالية: الهجرية، والميلادية، والخورشيدية (الشمسية)، والبرجية، والرومانية، والنومية، واليوليانية الوثنية، والمصرية والقبطية، والعبرية، والإسكندرية، والثورة الفرنسية، والهندية، والآذرية، والسنة الضوئية.
الباب السادس: وحدة النقود: من قبيل: الدينار الشرعي، والدينار النقدي، والدرهم والدولار والجنيه والروبل والفرنك والين والليرة والريال، واليورو.
الباب السابع: الأرقام: في الأرقام والأعداد ومضاعفاتها، وفي معادلات الحروف بالأرقام، والرموز.
في الواقع يمثل هذه الكتاب الضلع الثالث لمثلث الأوزان الثلاثة: الصرفية والمقاييس والشعرية، كان المؤلف قد وضع خطوطها العريضة وهو في العقد الثاني من عمره أثناء الدراسة في كربلاء المقدسة، وأصبح ما وضعه قبل نصف قرن كما يؤكد في الإستهلال: (مرجعا لي في كتاباتي المتأخرة عنها، وأساسا للعديد من أجزاء الموسوعة المسماة بدائرة المعارف الحسينية، وها أنا في العقد السابع من عمري أعتمد على ماكتبه في العقد الثاني آملا أن يكون ما حررته في هذا الإتجاه وغيره مفيدًا للطالب ومرجعا للكاتب) وقد انتهى من هذا الكتاب في غرة شهر محرم 1433هـ (27/11/2011م) وصدر عام 2019م، وهو جهد معرفي جمع بين القديم والحديث، وللعلوم صلة، فما كان في القديم توقيفيا جاء الزمان ليكسر حلقاتها بأوزان ومقاييس جديدة وجدنا أكثرها في هذا الكتاب، وبالقطع سيأتي الزمان ويستحدث أوزانا ومقاييس جديدة لم يصل إليها عقل الإنسان.

د.نضير الخزرجي

روضات العدالة تسابق الألم وصولا إلى خط الأمل

د. نضير الخزرجي

عندما تستحكم حلقة الحياة على المرء وتعصره وترميه في جبة النصب تظل عينه مشرئبة إلى روزنة أمل يمستطر عبر كوّتها الضيقة شعاعات نور يتلمس بها محيطه، ويعيش على خيوط النور الضعيفة راجيا أن تفتح الحياة حلقتها، ومن عاش لحظات الأمل يصل مبتغاه وإن ضاقت نافذة النور، ومن مات فيه الأمل عجز عن مبتغاة وإن كانت الشمس في رابعة النهار، فالأمل مطية الحياة من ركبها نال مراده ومن تخلف عنها عجز عن تلمس مواضع قدميه، ومما يُنسب للفقيه محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة 204هـ قوله:
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها..:..فرجت وكنت أظنها لا تفرج
ولولا الأمل لما علا بنيان، ولا اخضرَّ الجنان، ولا تسامت الأغصان، ولا تمايلت الأفنان، ولا زُوّجت النسوان، ولا اشتقات أنثى الى الرضعان، ولا تاق إنس إلى الرضوان ولا جان، وصار كل ما رأته العين وتراه في خبر كان، لا من نجم ولا شجر يسجدان، ولا من بشر وحشر يعبدان، وكما قال الشاعر أبو اسماعيل الحسين بن علي الطغرائي المتوفى سنة 514هـ في لاميته العجمية:
أعلل النفس بالآمال أرقبها * * ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
ولما كانت الحياة ميزانها العمل، فالأمل بلا عمل كجسد بلا روح، وعمل بلا أمل كآلة خرساء، ومن تلاحمهما يتولد النور، ولولا أمل توماس أديسون (1847- 1931م) المشفوع بالعمل والتجارب المضنية لما اقترن اسمه باختراع المصباح الضوئي، وكل مفردة في حياة الإنسان هي سيف ذو حدين كالزمن إن لم تقطعه قطعك، والأمل الأجوف هي بطالة مقنَّعة وإن أشغله بالعمل، والأمل المفعم بالحياة يحيل البطالة إلى حركة وإن عزّ العمل وندر، لأن الأمل المثبت هو بحد ذاته سعي وحركة غير ظاهرة، والأمل السلبي هو موت سريري وإن كان صاحبه كثير الحركة، فالأمل الأول منتج والثاني محبط، والبركة في الحركة الهادفة.
وحيثما عاشت الأمة ضنك الحياة وتسلط شخص أو زمرة على رقابها يظل سحاب الخير يظلل رأسها والعين ناظرة إلى يوم الخلاص وإلى المخلص، وكما الأمل ورجاؤه غريزة فالنجاة من العذابات غريزة تسعى الأمَّة أفرادا ومجموعات إلى تحقيقها ما أمكنها ذلك ولو بذهاب الأنفس ما ارتفع في سمائها طائر الأمل وحلّق.
وحيث تحيط بنا موجات القهر والظلم وتيارات الفقر والنقص في الأموال والثمرات فالأمل قائم في قارب يأخذنا الى ساحل الامان، وضمير الجمع المتكلم هو ضمير كل إنسان من مؤمن وغير مؤمن سيان، كل يبحث عن الأمل والمنقذ والمخلص حتى تسود العدالة، فالمسلمون أملهم في المهدي المنتظر، والمسيحيون في عيسى المخلص، واليهود ينتظرون المخلص، وكل أمة شابحة أنظارها إلى المخلص، في عالم صارت الغلبة للقوي، والقول بالشرق الفقير والغرب الغني إنما هي كذبة يروج لها أصحاب الأموال والسلاح الذين يستعبدون الشرق بالحروب وسرقة ثرواته ويستعبدون الغرب وأهله بالضرائب المتصاعدة وارتفاع الأسعار، وما من أسرة إلا وأرسفوا أيديها بقيود الديون وزخرف القروض.
الأمل الموعود والعدالة المنشودة، يترجمها المحقق والأديب الشيخ محمد صادق الكرباسي شعرا في ديوانه الجديد “رَجَز العدالة” الصادر في بيروت حديثا (2019م) عن بيت العلم للنابهين في 139 صفحة من القطع الوزيري وقدّم له وعلّق عليه الشاعر الجزائري الدكتور عبد العزيز مختار شّبين.
رَجَزُ الأمل
لعل مبلغ أمل الإنسان والإنسانية أن يعم العدل الأرض، فبه تستقيم الأمور وتأخذ الحياة مجراها ويأمن كل صاحب نفس وروح، وحيث يمد الظلم بساطه ويُحارب الإنسان في لقمة عيشه وفي معتقداته، تتعالى الأعناق بحثا عن الرمز المخلص الذي يجلب لها العدل، كظمآن يبحث عن صبابة ماء، وما أروع قول الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام المتوفى سنة 183هـ: (إن العدل أحلى من العسل)، وهذا العسل لا شك سيكون في متناول كل إنسان في حكومة العدل التي يتطلع إليها في عهد المهدي المنتظر عليه السلام.
الأديب الشيخ محمد صادق الكرباسي في ديوانه الجديد “رَجز العدالة” يستظهر لنا من بين نوافذ أبيات رجزه ما تقر به العيون مع الظهور الميمون، وقبل أن يدخلنا والقارئ الى روضة العدالة ورجزها يمهد بمقدمة عن حيثيات غياب المنتظر الموعود ومقدمات الظهور وما بعد الظهور، يسجلها في 28 نقطة رئيسية أهمها:
* لا خلاف بين المسلمين بجميع مذاهبهم ومشاربهم أن المهدي بهذا الإسم أو الصفة سيأتي في آخر الزمان لينقذ الأمة ويبسط العدل والقسط بعدما مُلئت الأرض ظُلماً وجَوراً، وهو من آل الرسول(ص)، قالت بعض المذاهب أنه سيولد ويظهر وقالت الإمامية أنه ولد وغاب وسيظهر.
* ذهب معظم المتدينين بالأديان المعروفة والمعتقدين بالعقائد السائدة بوجود مُخلِّص في آخر الزمان.
* إن المهدي الموعود لدى الإمامية هو الإمام الثاني عشر المولود سنة 255هـ صاحب المؤهلات لإنقاذ الأمة من براثن الظلم، والروايات صريحة في ذلك.
* إن مسألة الظهور فيها علامات، ولكن الأجلى الذي لا يمكن إنكاره هو شيوع الفساد بحيث يصبح المنكر معروفاً والمعروف منكراً.
* إنَّ حكومة الإمام المهدي(ع) تطول لأن القُصر في هذا الجانب ينافي الحكمة الإلهية من إقامتها.
* إنَّ العهد الذي يعيشه الإمام (ع) هو عهد الحضارة الكبرى والعظمى وما فوقه حضارة.
* إنَّ انتظار الفَرج أمرٌ عباديٌّ لأنه يريح النفس ولا يقضي على الآمال.
* لا يجوز التقاعس لتطبيق الإسلام، ولا يمكن الاعتذار بأن الحكم الإلهي لا يمكن تطبيقه بشكل كامل وصحيح إلا في عهد الإمام المهدي المنتظر(ع)، ومن هنا لابد من تولّي زمام الأمور من منظور الولاية العامة لتُمهّد بذلك للولاية المطلقة للمعصوم.
إن التعلق بالأمل الموعود هو الذي يجعل النفس وثابة وحية مع كثرة الإحباطات، والفقيه الكرباسي يعلن عبر “رجز العدالة” تعلقه بهذا الأمل ويرجو أن يكون جزءًا من قافلته، ولهذا يؤكد في ختام التمهيد: (إنَّ هذا المُسَمَّطَ الذي طرحته هنا هو عبارة عن نفثات قلبِ محبّ الى حبيبه الغالي، الذي يأمل رؤيته ليُكحِّلَ بالنظر اليه عينيه الثَّمِلَتَيْنِ مِن شدّة الحُزنِ على أُمَّة أرادها الله أن تكون خير أُمَّة أُخرجت للناس، وأن تكون شاهدة على الأمم وحجّة عليها من خلال كونها الوسطى).
روضات الولاء
يمثل الرَّجَز أحد بحور الشعر العربي وتفعيلته: (مستفعلن مستفعلن مستفعلن) والقصيدة منها أرجوزة، ولطالما استقل العلماء سفينته والأبحار في محيط علم من العلوم، فتكونت إلى جانب الشروحات النثرية لمادة علمية منظومات وأرجوزات مختلفة، فهناك أرجوزة في الفقه وأخرى في المنطق وثالثة في قواعد التلاوة ورابعة في قواعد اللغة مثل الفية إبن مالك، وأمثال ذلك، وفي العادة تكون أبيات الأرجوزة من شطرين متحدتين في التقفية، مثل مطلع كل قصيدة، وتختلف القافية في الأرجوزة الواحدة بين بيت وآخر.
وفي ديوان “رجز العدالة” اختلف الوضع فأراجيز الديوان التي توزعت على إثنتي عشرة روضة شعرية اتحدت كلها في قافية الراء، وقد جاءت الأشطر وعددها 438 شطرا بمثابة ملحمة شعرية توثق لحركة المخلِّص الموعود من البداية حتى النهاية.
وتصدَّرت العناوين التالية أبواب الروضات: “إشاعة الظلم والفساد”، “حال المؤمنين والأمة”، “انتظار المستضعفين”، “علامات الظهور”، “الإعلان بالظهور”، “زحف الجماهير”، “الإنطلاق”، “الانتشار”، “إحقاق الحق”، “حرب وانتصار”، “الحُكم”، و”العدالة على أرض الواقع”.
ويلاحظ من عناوين الروضات الشعرية أن كل واحدة منها تتناول مرحلة زمنية وحدثا معينا، من إنتشار الظلم وتفشي الجريمة إلى سيادة العدل بعد الظهور المبارك ونشر القسط والعدل والأخذ على يد الظالم بقوة القانون والإنتصار للمظلوم.
وقد مهّد الأديب الكرباسي لكل روضة بصورة معبرة خطها قلم رصاص الفنانة التشكيلية اللبنانية زينب عيّاش تعكس مراد الروضة وفحواها، وأتبعها بمقدمة نثرية تتقصى الفترة الزمنية ومجرياتها.
في الروضة الأولى يرفع الأديب الكرباسي يديه شاكيا ما شاع من ظلم وفساد مرتجزا:
يا سيدي شكوتي في الأثَرْ
فينا فساد علا واستتَرْ
ليل طويل كثير البؤَرْ
وفي الروضة الثانية يرثي حال المؤمنين والأمة وعموم البشرية حيث تموج الأرض بالفتن والمحن، فيخبرنا:
أروي لكم طبقَ عدلٍ حَبَرْ
أخبار قومٍ غدَوا كالخَبَرْ
في ظلّ حكمٍ غدا كالسُّقَرْ
وفي الروضة الثالثة يوصف لنا الوضعية التي يكون عليها المستضعفون في الأرض وانتظارهم حيث يكون القابض على دينه كالقابض على جمرة، فيخبرنا:
نارُ البلايا بنا قد دَغَرْ
إصبرْ وصابرْ ليومٍ أغَرْ
لولا الحِجى حُلمنا لانشحرْ
ويحدثنا في الروضة الرابعة عن علامات ظهور المخلص الموعود، مرتجزا:
تي نسوةٌ في رداءِ الذَّكَرْ
ماء السما عن بلا مُنحَسَرْ
أو في سيولِ البَلا قد حَدَرْ
وحيث يقف المخلص في مكة المكرمة معلنا عن بدء حركته الربانية يدعونا الناظم في الروضة الخامسة الى القيام، مرتجزا:
هذا هو المنقذُ المُنْحَصَرْ
يا قوم قوموا إلى المؤتمَرْ
مهديُّنا قد أتى وابتَدَرْ
ويعلن الناظم في الروضة السادسة عن زحف الجماهير للإلتحاق بالمهدي الموعود، مرتجزًا:
سِرْ للأماني بوجهٍ بَشِرْ
حتى ترى قائدًا قد طَمَرْ
ترجو إمامَ التقى مُزدَهَرْ
وعندما تجتمع الجماهير من أطراف الأرض للإلتحاق بالمخلص كما في الروضة السابعة من حركة الظهور، يرتجز الناظم:
سيروا معي نحوَ عَيْنِ الخَطَرْ
هيا ازحفوا يا جيوشَ الغُرَرْ
صوبَ العِدا والقِموهُمْ حَجَرْ
ويعلن الناظم في الروضة الثامنة عن انتشار القوات المسلحة في الأصقاع والأمصار بعد تنظيم الهيئة القيادية، مرتجزًا:
هذا سبيلي فلا يُنْحَسَرْ
من طنجةٍ، خُذْ تخومَ المَجَرْ
لا بربرٌ يُنتَسى لا صَخَرْ
ومن أهداف الإنتشار المنظم هو أحقاق الحق كما يخبرنا الناظم في الروضة التاسعة، مرتجزًا:
يومٌ بدا باسمًا في السَّحَرْ
ها قَدْ أتى صبحُنا وانْفَجَرْ
بالياس قد طاب ثمَّ ازدَهَرْ
وحيث كتب الله على نفسه نصر المستضعفين، فإن الروضة العاشرة يخبرنا فيها الناظم عن الحرب والإنتصار، مرتجزًا:
حسبي إلهي الذي قد نَصَرْ
كُن واثقًا سيِّدي لا نُغَرْ
نحنُ أمامَ النفيرِ الأمَرْ
وحينما يلج المستضعفون خيمة الحق تعلو ساريتها راية الأمل الموعود، فإن الناظم يخبرنا في الروضة الحادية عشرة عن الوضع العام في حكم الدولة المهدوية، مرتجزًا:
أرضُ العُلا ربْعها قد غَضَرْ
قد أكثروا في البنا والجَسَرْ
الحقُّ فاخترهُ لا يُنْدَثَرْ
وفي نهاية الأمر وفي الروضة الثانية عشرة يبشرنا الناظم بسيادة العدل كحقيقة مسلمة تنتظرها البشرية، فيرتجز:
العدلُ آتٍ لمن قَدْ صَبَرْ
في دولة الحقِّ نُحيي السِّيَرْ
الضَّعْفُ ولّى وزالَ الخَدَرْ
وحيث أشغل الناظم ساعات حياته في التحقيق والتأليف، فإنه استغل فترة الذهاب والإياب بين الدار ومحل العمل راجلاً كل يوم في نظم الشعر، فكان هذا الديوان هو الآخر ثمرة من ثمار أدب الطريق المثمر، وحسبي قول الدكتور عبد العزيز شبين في مقدمته: (الشعرُ عند الكرباسي رِسالةٌ تذودُ شامخةً عن المبدأ والفكر والعقيدةِ، فالحياةُ وفق منظوره العقلانيِّ والفقهيِّ هي اعتقادٌ وجهادٌ، وفي سبيل هذا التصوّر للوجود كان الشعرُ عنوان جُهْدِهِ في مسعاه إلى تحقيق الحريَّة للإنسان، والبحث عمَّا كان يحلمُ به من الإنعتاق، ومن أشرفِ الأبواب للولوج إلى عالَمِ الكلمة الرساليّة الشعرُ، وما أشْرَفَه لساناً ينطقُ عن الحق في مواطنِ الحقِّ، ويبلِّغُ فصْلَ الخطاب بالصِّدقِ، لا يشوبُه في أدائه الفتُور، ولا يعجزُه عن إيفاءِ القسطاس اللغوبُ، وهمَمُه في كلِّ ذلك إرضاءُ الضمير، وإخمادُ لهيبِ الغضبِ من باطنِ الشعور).
وعين الفهم الوارف فيما أثبته الشاعر الجزائري من زلال الكلم الآنف.

الشاعرة والإعلامية هويدا ناصيف تكرّم الفائزين في بطولة كأس العالم للمبدعين العرب في لندن

إنه القلم الفلسطيني. الحاجة أم الإختراع و من رحم المعاناة يتولد الإبداع. في سابقة من نوعها فازت فلسطين بالمرتبة الأولى في بطولة كأس العالم للمبدعين العرب (أو مايعرف بمسابقة أفضل العرب في العالم) لعام ٢٠١٨ و اللتي أقيم حفلها الختامي في العاصمة البريطانية لندن برعاية و تنظيم شركة المجموعة العربية The Arabs Group اللتي تعتبر أهم و أشهر شركة منظمة للجوائز الإبداعية للعرب حول العالم و ذلك يوم الأربعاء ٢ جانيوري ٢٠١٩. الجدير بالذكر أنه هذه هي المرة الأولى اللتي تفوز بها فلسطين في هذه المسابقة العالمية حيث حصدت أربعة ميداليات ذهبية. و يعود الفضل في هذا الفوز الكبير إلى أدباء و شعراء فلسطين ممثلين بنجوى (مآب) أبو الهيجاء اللتي فازت بلقب (أفضل شاعرة عربية في العالم في إختصاص الشعر النثري), سلوى الطريفي (أفضل كاتبة عربية في العالم في النصوص الأدبية المفتوحة) و سندس نظير دنون (أفضل كاتبة عربية في العالم في مجال الأبحاث و الدراسات) كما أضاف الفلسطيني هشام بن أحمد أبو طعيمة ذهبية أخرى لفلسطين حيث فاز بجائزة أفضل مخترع و محلل نفسي عربي في العالم عن إختراعه لمقياس دولي لتحليل الشخصيات من خلال العيون ليضمن بذلك لفلسطين الصدارة في هذه البطولة العالمية.

حّل كل من العراق و المغرب في المركز الثاني و برصيد ثلاث ميداليات ذهبية لكل منهما. حصد ميداليات الذهب عن العراق كل من قاسم عواد (أفضل مخترع عربي في العالم عن إختراعه لعلاج لداء الصداف و الأكزما), عادل أصغر (أفضل فنان تشكيلي عربي في العالم في إختصاص الفن الواقعي) و زياد العبيدي (أفضل شاعر عربي في العالم في إختصاص الشعر النثري). حصد ميداليات الذهب الثلاثة عن المغرب كل من يوسف بن بوعزة (إختصاص الفن التشكيلي الإنطباعي), محمد الرعاد (إختصاص الفن التشكيلي الفطري) و عبد الرزاق بن كران في إختصاص التصوير الفوتوغرافي.

حلت كل من المملكة العربية السعودية و مصر في المركز الثالث للبطولة وبرصيد ميدالييتي ذهبيتين لكل منهما. الفضل للتشكيليتين السعوديتين أمل علم اللتي حصلت على لقب أفضل تشكيلية عربية في العالم في إختصاص الفن السريالي و زهور المنديل اللتي نالت الذهبية في مجال الإبتكار في الفن. عن مصر فازت نورا الحسيني بلقب أفضل إعلامية عرببة في العالم و هبه جبر بلقب أفضل تشكيلية عربية في العالم في إختصاص الفن التعبيري.

حلّت سوريا في المركز الرابع للبطولة برصيد ذهبية و فضية. نال الميدالية الذهبية وائل محمود الحميد (كأفضل شاعر عربي في العالم في إختصاص الشعر الموزون) و الفضية نالتها الفنانة نهى جبارة كثاني أفضل تشكيلية عربية في العالم في إختصاص الفن التعبيري.

تقاسمت كل من الإمارات, لبنان و تونس المرتبة الخامسة للبطولة و برصيد ذهبية لكل منها. عن الإمارات نالت الفنانة هدى الريامي لقب أفضل تشكيلية عربية في العالم في إختصاص الفن الواقعي. عن لبنان حصل التشكيلي إبراهيم السبع على ذهبية كأفضل تشكيلي عربي في العالم في إختصاص الفن السريالي. أما ميدلية تونس الذهبية فكانت من نصيب الفنان عبد الرحمان دلدول اللذي نال لقب أفضل تشكيلي عربي في العالم في إختصاص الفن التجريدي.

حلت الجزائر على غير عادتها في المرتبة السادسة و برصيد فضية واحدة نالتها سمية معاشي كثاني أفضل شاعرة عربية في العالم في إختصاص الشعر النثري.

هذه هي السنة التاسعة لتأسيس هذه المسابقة العالمية اللتي يقبل فيها مبدعين عرب (في إختصاصات هامة) مقيمين في جميع أنحاء العالم و من هنا جاء إسم البطولة (كأس العالم للمبدعين العرب). وبمناسبة الذكرى السنوية التاسعة على تأسيس المجموعة العربية فازت قصيدة الشاعرة التونسية هدى بن الشيخ كريد كأفضل قصيدة ألقيت في المجموعة العربية.

شارك في هذه الدورة التاسعة مبدعون عرب من معظم الدول العربية و حول العالم.

تكونت لجنة التحكيم الدولية من العديد من الخبراء العرب و الأجانب و عددهم يقارب المئة حيث تم إستدعاء بعضهم هذه الدورة من أمثال (الأديب الأردني الأستاذ محمد عارف مشْه, الشاعرة اللبنانية الدكتورة هويدا ناصيف, الناقدة الأدبية الجزائرية الدكتورة زينب لوت, القاضية الفرنسية بلاندين مارتن, المصممة الألمانية دوروثي زبلن, الآسيوي تد أوتغون بيار, و المخترع الليبي جلال النقاصة)

حضر الحفل الختامي ممثلون دبلوماسيون عن الدول الفائزة, بعض قضاة المجموعة العربية الدوليين (الفرنسية بلاندين مارتن, الألمانية دوروثي زبلن, الآسيوي تد أوتغون بيار و اللبنانية هويدا ناصيف), مندوبو بعض الشركات, بعض من أشهر الفنانين التشكيليين العرب و الأجانب (المغربي الطاهري البشير, الكويتية إبتسام بوعباس,, المصرية هبه جبر, المغربية بنلعلى فطيمة, اللبنانية سامية خوري, المغربية بشرى ضرضار, الفرنسية بلاندين مارتن, الألمانية دوروثي زبلن, الآسيوي تد أوتغون, المغربية هاجر فحصي, الكازخستانية كاتيا كان, المغربي كريم ثابت, العماني سالم عبد الله الكعبي, المغربية نادية المواق, المغربية نعيمة أشركوك, الفلسطينية خزيمة حامد و السعودية بدور اليافعي) بالإضافة إلى رجال أعمال و بعض المشاهير من العالمين العربي و الأجنبي من أمثال: مديرة المواهب العالمية الإنكليزية ماري لويز شاندلر, مصممة الأزياء التونسية العالمية لمياء العتروس, الممثل البريطاني كلفيندر غير, عازفة الساكس العالمية سوزي غي, عازفة الغيتار الإسبانية أدينا بالكزو, مبدعة القيثارة البريطانية كاثرين مايك, و المذيعة المتألقة لمى كاتب اللتي قدمت الحفل)

حضرت وسائل الإعلام العربية و الأجنبية لتغطية الحدث كقناة الحرة الفضائية, الإعلامية منى البدوي اللتي جاءت بالنيابة عن دار الخليج للصحافة لتغطية الحدث من دولة الإمارات, مجلة لايف ستايل اللندنية المشهورة و مجلة المشاهير FAB UK البريطانية العالمية.

التدمير الاقتصادي والإدعاءات الانسانية الزائفة

*التدمير الاقتصادي و الإدعاءات الإنسانية الزائفة*

هدف السيطرة والاحتكارالاقتصادي هو الغاية الأساسية للدول المسيطرة و المسبب لأغلب الحروب و الكوارث و نبع الإبداع للكثير من الجرائم التي تقوم بها دول الاستكبار العالمي أو معولمة العالم الجديد في النسخة المطورة لما كنا نسميه إمبريالية لدول محاطة بهالة حمائية و متعاونة في نسج العلاقات الدولية بما يخدم مصالحها و يعرقل النمو و التنمية للآخرين و بالتالي أغلب العلاقات و الهياكل و البنى السياسية تهيء بما يماهي هذا الهدف الأسمى ,و لكن في العقد الآخير بعد تقويض أغلب المنافسين و رسم الخطوط العامة للعلاقات الدولية بما ينسجم مع المصالح الضيقة للدول المنتصرة فيما كانت تسمى الحرب الباردة أستعر الصراع المصلحي البرغماتي بين هذه الدول , هذا الصراع الذي ما لبث أن ظهر وبان كون نموذجهم الرأسمالي الاستعماري كالنار التي لا ترحم أحد فلا أحد يملك حصانة عن التحييد الاقتصادي لي منافسة ممكنة في ظل عقلية استراتيجية لا تؤمن لا بالقيم ولا بالأخلاق و لا بالأحلاف الدائمة لمن يقع خارج جغرافيتهم , إن نموذج العولمة و الذي كان نموذج إعلامي تضليلي مغلف بمصطلحات و عبارات غايتها التضليل و التعمية للإنجرار بمشروع أمريكي وحداني لقيادة العالم متشرب أهدافه و غاياته من تجمع شخوص رأسمالية هدفها احتكار الاقتصاد العالمي ومنع المنافسة من قبل أي آخر , في ظل برغماتية لا تؤمن بصداقات دائمة وإنما ادوات وحاجات تنتهي بانتهاء الدور وهذا ما لحظناه في السنين الأخيرة من صراعات من قبل أصدقاء الأمس وتحولات بالعلاقات الدولية خارج إطار حلفاء الأمس والأعداء اللدودين وتغييرها بالشكل الأكثر فائدة مع أدوات قد تححق أكثر الفوائد الممكنة مع قلة ومحدودية التأثير المستقبلي لمحدودية التأثير الاقتصادي و قد تكون هذه التحالفات مرحلية لأسباب جيوسياسية و بالنهاية الغاية الأخيرة تكريس القيادة الفردية الأمريكية للعالم بما يخدم مصالحها وأدواتها السامة و الباقي لا ضامن له و ليكون العنوان الانتصار الدائم للعنصر الانجلوسكسوني الموحي العميق لما نحن عليه و السند لما سيكون من يوم صناعة الجسم السام الصهيوني بمنطقة هي المشكل التاريخي الحضاري و هي الموقع الجيوسياسي الأكثر خطورة على المصالح الاستعمارية في حال السير الصحيح و السيرورة التاريخية الصحيحة و هذا ما جعل هذه المنطقة تحت المجهر الامبريالي الدائم و الهدف الأكبر لتدمير أي حالات تنموية مستقلة مستمرة و جعلها مركز لسلب الكفاءات و للتهجير الدائم و لعدم الاستقرار , و لهذه الغاية القذرة من المنظور الأخلاقي و القيمي و القانوني لا ضير بأي وسيلة كانت ليكون الهدف النهائي السيطرة على العالم عبر السيطرة بالاقتصاد و لتستمر المعادلة الاستعمارية الأبدية دول تابعة تستهلك منتجاتنا و هي مصدر للمواد الأولية لصناعاتنا وإن اقتضت الضرورة ننقل مصانعنا لها ,وكذلك تنمية صناعات ومنتجات لدول محيطة بدول ذات طموح لقصقصة التضخم الاقتصادي القادرة على مواجهة مستقبلية وهو ما وجدناه بدول كثيرة وخاصة بشرق آسيا في مواجهة النمو الاقتصادي إن كان الياباني أو الصيني و لكن يبقى التفوق العسكري للقائد العالمي ضامن السير بما يخطط له, وإن الوسائل و الأدوات المستخدمة للوصول للهدف الاحتكاري المسيطر تغيرت حسب التطورات البنيوية للعالم من جميع النواحي الاجتماعية ..الثقافية ..السياسية…الاقتصادية و يكون عدم تكريس و تجذير تنمية مستقلة ..متوازنة ..مستمرة الغاية النهائية ،لأن أي تطور اقتصادي للدول الأخرى سيكون مقلل للتحكم و السيطرة لدول المركز بتشكيلته السابقة أو الحالية و على حساب ناتجه الاقتصادي , ولا حصانة لأي آخر من المواجهة للتقويض الاقتصادي وهو ما لاحظناه مؤخراً من قوانين اقتصادية تخالف الفكر الليبرالي الذي سوقت له دول النهب الحديث المغطاة بالحداثة و الحضارة وحقوق الإنسان و الديمقراطي , فلم يتوان الأمريكي عن فرض رسوم على الكثير من حلفاء الأمس معرقلة للكثير من الصادرات لحماية منتجاته وهو مخالفة صريحة لبرامج البنك الدولي و لصندوق النقد الدولي و للاتفاقات العالمية بالتجارة و التي لم تترك هذه الدول أسلوب لفرضها على العالم إلا وانتهجته من الترغيب للترهيب للقتل للحصار للعقوبات كون برامجهم بأسلوب الصدمة المدمر كفيلة بالتدمير و القتل الاقتصادي و تقزيم النمو و تفكيك و تشويه البنى الداخلية لأغلب الدول ،وكيف لا و هي برامج لا تناسب خصوصيات البلدان التي تفرض عليها و تؤدي إلى مزيد من الإفقار و البطالة و انتشار الأمراض الاجتماعية اللازمة لتكون مدخلاً لاستخدام أدوات أخرى منها تناقضات داخلية لتشعل نيران حروب داخلية تؤدي لقتل البشر و تدمير الحجر وهو ما وجدناه بيوغسلافيا و العراق و سورية وإن لم تقبل الشعوب بتدمير بناهم ،فخارج السياق الإنساني المضلل يتسلى طياروا هؤلاء القتلة و محالفيهم بتدمير البنى التحتية و قتل الحضارة و تقويض مصادر النمو الاقتصادي و الاجتماعي وهو ما شكل تساؤل بالعراق وما حصل بالرقة السورية من تدمير و قتل رغماً من انعدام وجود العدو المصنع من قبلهم إن وجد , كانت عولمتهم أداة لتقويض الهويات الوطنية و تعويم الأمراض الاجتماعية و تهشيم بنى كلفت مليارات وصلت بها البلدان لمراتب متقدمة من النمو و التنمية ،و لتصبح بعدها كل السبل مباحة لتدمير ما لم يدمر و قتل حتى البشر وخاصة أصحاب العقول و الكفاءات لأنهم أهم استثمار ووجودهم قد يعيد البناء و بشكل قد يكون أفضل و اللعب على هذا النوع من التدمير لم تتخل عنه هذه الدول منذ القرن الماضي فسلب العقول عبر الترغيب بالهجرة أو الترهيب أو القتل للتخلص منهم كانت أحد أساليب التدمير الاقتصادي و لم تتوان هذه الدول على محاولة تفكيك المناهج الدراسية و تخريب العملية التربوية للكثير من البلدان و التي أثبتت كفاءة و جدوى بتخريج الكفاءات و الكوادر الباعثة للتقدم و التطور و المثبتة لقدراتها في البناء الداخلي لدولها أو للدول الأخرى و إن تدمير هؤلاء أهم الواجبات لقتل الأمل المستقبلي لأي إعادة تنموية و بناء , و بالتالي سوء استثمار الكفاءات و عدم وضعها بالموضع الصحيح و تهميشها وإقصاءها من أهم الأهداف و الأساليب التي تعمل عليها دولة العولمة لسد أي مسار تنموي قادم ،و بالتالي تقويض النمو الاقتصادي و الاستقلالية و الاستمرار بالتبعية وفق المعادلات السابقة و كذلك من الأدوات المهمة لهم لتقويض النمو و التدمير الاقتصادي اعتماد شخوص تابعة لهم تعمل على عرقلة المشاريع الإنتاجية و تعمل على تقويض دور الحكومات في الإدارة التنموية و تقليصه لأبعد درجة لتتحول لخادم لتشريع القوانين التي تخدمهم و تقديم الخدمات اللازمة لهم و يكون الدور الأهم لهؤلاء ربط اقتصادات البلدان بالاقتصاد العالمي المرتبط بدولة المركز و ليكون عرضة للأزمات المتتالية و قابل للتدمير بأي لحظة مناسبة لعدم امتلاكه للقوة الاقتصادية القادرة على مواجهة الأدوات الموجهة ضده سواءا بالتدمير المباشر عبر افتعال الحروب أو المعارك أو عبر تدمير البنى التحتية أو عبر فرض العقوبات اللا إنسانية أو فرض الحصار القاتل للبشر وسط خروج وقح عن كل القوانين الدولية والإنسانية ، و كان ما يسمى الارهاب المصنوع بختم قواد العولمة وتحت رعايتهم أهم الأدوات الجديدة للتدمير الاقتصادي بشقيه الحجري و البشري و عبر تضليل إعلامي مركز و مبرمج باستخدام أدوات العولمة الإعلامية العامة و الخاصة المسموعة و المقروءة و باستخدام أهم الأدوات الإعلام غير المضبوطة و غير المسيطر عليها أدوات التواصل الاجتماعي , وهذه القوى الارهابية صنيعة من يدعي مواجهتها تستثمر من قبل دول العولمة المنظرة بالديمقراطية و الانسانية للسرقة العلنية للمعامل و المصانع و لتدمير الشبكة الكهربائية و للجسور و المدارس و للأبنية من أجل ديمقراطيتها الدموية و إنسانيتها الزائفة لتدمير و نهب الاقتصاد و استنزاف التنمية و للحروب الطويلة و كل الغايات موجهة للتفقير و قتل أي استقلالية و لربط الاقتصاد المحلي بهم ، و بالتالي أدوات جديدة لتدمير ما هو موجود وقطع أي محاولات لبناء جديد مستقل حر يراكم خبرات و مهارات مستقبلية ، و بالتالي وصلنا لمرحلة من جنون العظمة و للوقاحة تبرر أي وسيلة لاستمرار السيطرة الأحادية و تدمير الآخرين لمن يؤثر أو يلعب بهذه المعادلة المحمية بالقوة العسكرية المطلقة و التحكم بالاقتصاد عبر عملتهم المعولمة المحمية عسكرياً، ووسط هذه الظروف الكل وسط النار ولا يمكن المواجهة و التحدي إلا عبر التحصين الداخلي الذي يقوض الكثير من أدوات التدمير الاقتصادي وإن كان لا يلغيها بالمطلق بالإستثمار الأكفأ للموارد و الإمكانات و بالعدالة الاجتماعية و تحقيق المواطنة العادلة و بالتربية الحقيقية المكرسة للأخلاق و الانضباط و للإنتماء فتدمير الأخلاق كانت أحد الوسائل للوصول للوضع المآساوي العالمي الحالي وتقويض الفساد و إعادة تأهيل مؤسسات التنشئة و محاولة إعادة الكفاءات و إستثمارهم بكفاءة ، و لكن من دون تغيير قواعد اللعبة الدولية وإعادة الإعتبار لمؤسساتها تصعب أي تغيرات لقواعد اللعبة فحليفهم اليوم قد يقع بأفخاخهم غداً, ممنوع الاقتراب من مصالحهم ممنوع مواجهتهم , السيطرة على طرق الطاقة ومنع توصيلها إلا بإرادتهم مع السيطرة على دول انتاجها الغاية الأهم بوقتنا الحالي ، البرغماتية الأمريكية لا تؤمن بأصدقاء وإنما مصالح وحلفاء متماهين مع ضرورات المصلحة العليا،التدمير هدف وعنوان و آخر أدواته الإرهاب المتنامي بتدمير الإخلاق ، المصنوع باهم معاقل إدعاء الديمقراطية و حقوق الإنسان.
الدكتور سنان علي ديب

الشاعرة هويدا ناصيف في حفل توقيع ديواني أنا العاشقة وأنثى القصيد



احتفت الاستاذة الشاعرة هويدا ناصيف وسط أهل بلدها في لبنان
بتوقيع ديوانيها ( أنا العاشقة) و( أنثى القصيد) في عرس الكلمة الذي أقيم على ارض مدينة الشمس بعلبك .
بحضور وجيه ولافت في نادي الشبيبة الخيرية وبرعاية العميد حسين اللقيس رئيس بلدية بعلبك حضر عددكبير من أهم الشخصيات الثقافية في لبنان ومن بين الحضور كان :
العميد حسين اللقيس رئيس بلدية بعلبك وراعي الحفل
الشاعر الاستاذ الياس الهاشم
نائب رئيس ملتقى الحوار الأدبي في البقاع وعضو الهيئة الإدارية لحركة الريف الثقافية وممثلاً لها لدى الدولة وعضو نقابة ممثلي المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون في لبنان.
الشاعر الاستاذ حسين جواد رئيس منتدى شعراء البقاع ورئيس منتدى بعلبك لبنان الفكر .
الشاعر والأديب محمود نون رئيس حركة الريف الثقافية.
الشاعر والأديب سليمان جمعة رئيس منتدى الربيع الأدبي .
الشاعر والأديب غازي قيس.
الدكتور الروائي غسان العميري.
الدكتور الروائي حمد الطفيلي.
الفنان التشكيلي عادل ناصرالدين
الأستاذ الروائي دعيبس حبشي.
الأديبة بهيّة صلح.
إضافة الى حشد من الفنانين والمثقّفين والأطبّاء والمهندسين والمحامين والمعلّمين وأساتذة من الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصّة.

افتتح الحفل العميد حسين اللقيس بكلمة تحدث فيها عن ان الشعر وعن السيرة المشرفة للشاعرة اللبنانية هويدا ناصيف وعن إنتاجها الثقافي الذي سيثري
ثقافتنا العربية ويمد شبابنا بطاقة إيجابية وتشجيعية تحثهم على المثابرة والإنتاج والابداع .
وقال أيضاً ان الشعر رسم بالالفاظ للتعبير عن العواطف الانسانية والشاعر هو من يمتلك الكلمة والوحيد القادر على حياكتها ليصنع منها نسيجا جميلاً.
الشعر جالٌ وغموض يبعث النشوة في القلوب بكلمات تنطق بالمشاعر الانسانية كما وأضاف العميد انه حقاً من دواعي سرورنا وافتخارنا هذه النهضة الأدبية والثقافية في منطقتنا وهذا الإبداع شعراً ونثراً من قبل شبابنا وبناتنا الأعزاء وهذه الغزارة في الانتاج والعطاء الفكري والأدبي فكل ذلك يبعث فينا الأمل والثقة بتحقيق غاياتنا وأهدافنا التنموية المنشودة التي تتمحور حول الانسان والثقافة .
نحن نفتخر بالشاعرة هويدا ناصيف صاحبة السيرة الذاتية التي تدعو فعلا الى الإعجاب والتقدير وإني ارحب بها ترحيباً حاراً لوجودها معنا في هذه الأمسية لتوقيع ديوانيها ( أنا العاشقة) و( أنثى القصيد)اللذان سيغنيان ثقافتنا العربية .


بدأ الشاعر الاستاذ الياس حليماً كلمته قائلاً أنّ الشعر قوت الروح ورحّب بعميد الثقافة في بعلبك العميد حسين اللقيس وبالحضور وأبدع في وصف الصيغة التي كتبت بها الشاعرة هويدا ناصيف
وقال انها انانية العشق بامتياز باختيار عنوان ( أنا العاشقة) بالاضافة الى الاباحية العذبة التي اتسمت بها قصائد الديوانين دون الانزلاق الى مادية الجسد ومتاهات الرغبة الرخيصة والهيام بالحبيب حتى ما بعد الموت.
تبوح الشاعرة هويدا بمكنونات قلبها دون تكلف أو هوادة والحبيب عندها فعل روح وجسد فبالنسبة لها ليس النصف الاخر بل هو الاخر والأنا في انا الشاعر فأعذب الشعر أكذبه :
أريده رجلاً
تلتهب النظرات رغبة لعينيه
وتتعرى الناسكات
في محراب عشقه سجدا….

فهي الأنثى الشاعرة التي تكسر جدار الصمت في البوح وتخرج من القمقم النسوي العربي مارداً منتفضاً يملأ كاس الحب ويشربها حتى الثمالة لتقول أيضاً:

وأنا والآه وثالثنا
الليل وكأس المسحور
والخصر تراقص في شغفٍ
كي يطفي نار المسعور

انها تتمرد على الواقع المعيوش للمرأة العربية التي قيدتها الاعراف والتقاليد وسجنتها في قمقم التسلط الذكوري المغلف بالجهل المقدس الذي جعل من المرأة دمية اغراء ومادة جنس ونسي انها روح مولودة من ضلعه
وهل تحيا يا ابن آدم الاجساد دون ارواح !
تحدث الاستاذ الشاعر الياس الهاشم عن هويدا المرأة الشاعرة وقال :
إنها المرأة تختصر كل الكون .
هويدا ناصيف شاعرة تتقن فن الثورة في التعبير الشعري وثورتها ناعمة لكنها جريئة صاخبة انقلابية تلتزم الضوابط ولا تتفلت منها وترفض كل ما يرفضه عقلها ، تثور على المرأة الخانعة القابعة على قارعة الطريق تستجدي حقوقها من نصفها الاخر فتقول:

متشرّد الهوى على الطرقات أهيم
أئن لجرحي وحلم الوصل يتيم

وتعترف له بأنها جنته وهو جنتها والفراق بينهما هو الموت بحد ذاته فمنذ الوجود الآدمي وكلانا واحد ذكر وأنثى :
عبثاً أيامي من دونك أقضيها
فالجنة من دون الحبيب جحيم.

وأكمل الشاعر حسين جواد يونس حفل توقيع الدواوين بكلمته أن الوطن قصيدة بحجم روح الشاعر فإذا كان بحجم روح الشاعرة فهو الوجود لانها تكتنز الحياة وتعطيها.

وأخيراً اختتمت الشاعرة هويدا ناصيف حفل توقيع الدواوين بكلمتها عن الوطن والحنين اليه ومدى سعادتها بتوقيع ديوانيها التوأم بين أهلها وأصدقائها وإنتهى الحفل بالموسيقى وتوقيع الدواوين وحفل كوكتيل .

أنجح الطرق النجيّة في بناء عش الزوجيّة

أنجح الطرق النجيّة في بناء عش الزوجيّة

د. نضير الخزرجي

ليس من المستغرب أن تجد إرتفاع معدلات العنوسة في هذا البلد أو ذاك، فالأمر طبيعي بلحاظ ارتفاع عدد الإناث في مقابل الذكور بشكل عام في عدد غير قليل من بلدان العالم حسب تقارير هيئة الأمم المتحدة، ناهيك عن البلدان التي تشهد حروبا خارجية وداخلية تطحن الرجال وتترك خلفها أرامل وأيتاما، يُضاف الى هذه الحقيقة شيوع مصطلح (الخيانة) التي روّجت لها دوائر التمثيل السينمائي والتلفزيوني العربية بغير وجه حق تماشيا مع السينما الغربية القائمة على الزواج الكاثوليكي واعتبار الثانية خيانة عظمى، وذلك إذا ما أقدم المرء على الزواج من ثانية التي تعقبها في أغلب الأحيان طلب الأولى الطلاق والتخلي عن منزلها وأسرتها حتى يذعن الزوج بطلاق الثانية أو التخلي عن فكرة الزواج بالثانية من أصله، أو أن يُجبر على إخلاء سبيل الأولى من غير معروف في أكثر الأحيان، وترك الأولاد حيارى بين دارين طريقهما مزروع بالأشواك.
هذا هو الشايع من العنوسة، ولكن للعنوسة وجها آخر وذلك عندما يعزف الرجل عن الزواج وتكوين الأسرة، ويتمسك بالعزوبية أو أن يكتفي بعلاقة ثنائية خارج إطار الزوجية المعهودة، وربما يضع لهذه العنوسة الطوعية فلسفة يتمحور حولها وينظّر لها، معتبرا أن الزواج الطبيعي وتكوين الأسرة هو السجن بعينه، وليس قفصا ذهبيا كما يُشاع يتناجى فيها الحبيبان، غير مدرك لتفاعلات الحياة وعوامل الزمن التي تعمل على تعرية الجبال الصلبة فما بالك بجسم الإنسان الذي يغزوه الشيب ويداهمه الخوار، وعندها لا يجد المرء من يعينه على تخطي صعوبات الحياة لا زوجة كريمة الأصل ولا ولد صالح، ولات حين ندم، والعنوسة الذكورية تكون أكثر خطرا بخاصة في البلدان التي تشهد ارتفاع أعداد النساء في مقابل الذكور، فحينئذ تكون أشبه بقنابل إجتماعية موقوتة لأنَّ العنوسة الأنثوية هي في واقعها من نتاج العنوسة الذكورية التي تقفز على الموازين الإجتماعية والنواميس الفطرية، وتكون مرتعًا خصبًا لتفشي الأمراض النفسية والعوارض الإجتماعية القاتلة التي تنخر في جسد المجتمع وتفتك به.
والأسرة السليمة هي اللبنة الأولى لإقامة صرح المجتمع السليم المتحصِّن داخليا والذي تكسبه حصانة ومناعة خارجية، والزواج الطبيعي ضمن قوانين ومواثيق كل أمة من أمم الأرض هو الحصانة الطبيعية، من هنا أولى الشرع الإسلامي أهمية كبرى للأسرة، لإدراكه بأهمية سلامة الأساس للظفر بمتانة البناء، هذه الأهمية أدرج معالمها الرئيسة الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في كتيب “شريعة الأسرة” الذي صدر حديثا (2018م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 56 صفحة، ضمًّ مسألتين ومائة، إلى جانب 32 تعليقة لآية الله الشيخ حسن رضا الغديري، وقد سبق المسائل والتعليقات مقدمة الناشر ومقدمة الغديري وتمهيد الكرباسي.

الأسرة درع المجتمع
من المفروغ منه أن الأسرة عمود المجتمع وقوامه، وهي كما يؤكد الفقيه الكرباسي في التمهيد: (الدرع الحصين الذي يتحصن بها أفرادها، والظاهر أن المفردة مأخوذة من الأسْر والإسارة حيث إنَّ المرء مقيد بعائلته وهو الأكثر لصوقا بها، ومن هنا عرَّف بعضهم أُسرة الإنسان بعشيرته ورهطه الأدنين)، وفي الأدب الشعبي يُشبّه رب الأسرة بعمود الخيمة التي يستظل تحتها أفراد أسرته من زوجة وأولاد وكنات ونسائب وأحفاد، وهو الحائط التي تستند إليه الزوجة وأولادها، ومهما بلغ الزوج من القوة والضعف في شبابه وكبره فهو أمان لأهل بيته، ولهذا يضيف الفقيه الكرباسي: (والأسرة أيضا القوة، ولعل المراد بالأسرة هم الذين يتقوى المرء بهم وهم ظهيره في النوائب)، وقد أولى الشرع أهمية كبرى للأسرة ووضع لها تشريعاتها: (وإذا ما تحدث الفقهاء أو المشرعون للقوانين بأحكام الأسرة فالمراد بها مجموعة الأحكام التي تنظم العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة)، وهي ما يعبر عنها بقانون الأحوال الشخصية.
ولأنَّ الأسرة بناء تراكمي قابل للزيادة عموديا وأفقيا، فلابد أن يحسن الزوج الأساس، مع مراعاة عامل الزمن وتفاوت المدارك بين جيل الآباء والأبناء والأحفاد، على أن البنى الأخلاقية والقيم الإنسانية من الثوابت، لأنَّ الخير على الدوام وعند جميع الأقوام هو الخير، والشر هو الشر، والقيم الإنسانية النبيلة من روضة الخير التي يزداد إنتشار شذاها وضوعها.
ولتفاوت المدارك بين الأجيال أهميته القصوى في البناء الأسري وفيه (يكمن سر تماسك الأسرة فيما بينها)، ويضيف الكرباسي: (فإن الذي عاش في بيت أبويه لا بدّ وأن يعلم أن ظروف نشأته قد تختلف عن ظروف نشأة أولاده في ظل الأسرة الجديدة، ربما لتطور الحياة من حيث المكان والزمان، أو لأسباب أخرى كالتعليم مثلًا، ولا بدّ أن يسعى كل من الذكر والأنثى إلى سد النواقص التي لاحظاها في النشأة الأولى ليعالجها قبل أن يكوّنا لنفسيهما أسرة سعيدة ومتفاهمة، وربما احتاجا إلى المزيد من المقومات لها، ولا يجوز لهما أن يكونا نسخة طبق الأصل –أعني الوالدين- وإلا تكررت النسخ وتكررت معها المآسي فيما إذا كانت الظروف غير طيبة).

مقومات البناء السليم
ولتفادي تكرار الأخطاء على طريق بناء الأسرة السليمة، يقدم الفقيه الكرباسي مجموعة من الرؤى، تتلخص في التالي:
أولا: مراعاة الوالدين حسن الأداء والتطور للأبناء والبنات بما يمليه عليهم الشرع والعقل والتجارب لمواكبة التطور.
ثانيا: مراعاة مراكز التعليم والتثقيف لنشأة الفتى أو الفتاة بما يحملان من مكونات مختلفة.
ثالثا: من سعادة الأسرة الجديدة وسعادتها أن يدخل الزوجان في دورة لا اقل من ستة أشهر ويتعلّما بإشراف مختصين في علم الفقه والطب والإجتماع والنفس والقانون والإقتصاد والجنس ليفهم كلٌّ واجباته ومسؤولياته تجاه نفسه والآخر الشريك والمجتمع والدولة والبيئة وبالطبع الخالق أيضا.
رابعا: مواصلة التثقف بعد الزواج بثقافة الأبوة والبنوة والأمومة والبنوتة.
خامسا: نقل التجربة الى الأبناء بدفعهم نحو تكوين أسرة جديدة لمرحلة أخرى جديدة.
وفي طريق البناء الأسري السليم، يستعرض الفقيه الكرباسي مجموعة من النقاط تتمحور في التالي:
أولا: لا يقع الإختيار على الرجل فحسب بل أن يختار كل من الزوجين شريك حياته بدقة لا متناهية.
ثانيا: تقدير معنى الشراكة وتبادل الشعور والإحساس والغرائز والطموح والأهداف.
ثالثا: لابد أن يكون الحوار سيد المواقف المختلفة دائمًا وأبدًا.
رابعا: في الخلاف يُسترشد برأي من يُسترشد به.
خامسا: فطرة الله تبقى فطرة سليمة وعلى الزوجين صيانتها لولادة طفل سليم، والجنين أمانة في رحم الأم لدرء التشوهات الخلقية والنفسية، ولابد من الالتزام بما ورد في الشريعة في الاتجاه الحكمي أو الأخلاقي لسلامة الطفل ومسيرته وسعادته.
سادسا: لا ينبغي للوالدين أن يتوقعا من الأبناء رد الجميل لما قدماه لهم، فحركة العطاء بين الآباء والأولاد حركة تسلسلية لا دائرية تنتقل من جيل لآخر، وإنما مصدر العطاء الذي لا ينقطع أبدًا هو البارئ.
سابعا: لكل من الزوجين دوره المقدس في الحياة، ولا يمكن لأحدهما أخذ دور الآخر إلا في مجال ضيق وأن كل واحد منهما مكمل للآخر، وتفهم هذه التكاملية تنعكس إيجابا على الأبناء.

الأسرة مدرسة الطفل
في العادة ينظر االزوجان في الأسرة الجديدة الى سيرة الوالدين في تنظيم حياتهما مع الأخذ بنظر الإعتبار عامل الزمان والمكان واختلاف الأجيال، لأن الزوج في العادة من سنخ أبيه والزوجة في العادة من سنخ أمها، ولكن هذا لا يكفي فلابد من معرفة الحقوق والواجبات قبل الإقتران، وهو ما يؤكد عليه الإسلام ويشير إليه الفقيه الكرباسي في أكثر من مسألة، لأنَّ: (أي خلل في ذلك يعد أمرًا محرَّمًا قد يصل الى الذنوب الكبيرة)، شريطة كما يعلق الفقيه الغديري: (أن يكون وقوع الخلل بالتقصير دون القصور)، ومقتضى الأمر كما يؤكد الكرباسي: (إنَّ الجاهل عليه أن يتعلم ولا يجوز التأخير في التعلم ولا يحق له الإعتذار بالجهل) من هنا فإنَّ: (الجاهل المقصِّر لا يُقبل عذره ويلاحق شرعًا لكي يُصلح ما أفسده)، كما: (لا يحق للزوج أن يفرض على زوجته العمل بالبيت، ولكن من حسن التبعُّل أن تقوم هي بذلك حسب القدرة)، في المقابل: (يجب على المرأة أن تعرف بأن الرجل هو المسؤول الأول في هذه الأسرة وعليها أن تساعده في ذلك وتطيعه، وعلى الرجل أن يستشيرها ويطيّب خاطرها) وبإزاء هذه المسؤولية المتبادلة: (ينبغي للزوج أن لا يتدخل بالشؤون الداخلية للبيت فإن البيت كما يقال مملكة الزوجة، كما ينبغي للزوجة أن لا تتدخل في شؤون عمل الزوج وعلاقاته التجارية وما إلى ذلك، وإن تفاهما على ذلك فلا بأس)، وبالطبع عدم التدخل ليس مطلقا كما يعلق الشيخ الغديري لأنَّ: (التدخل لأجل الإصلاح والصلاح والإرشاد إلى ما يصلح للبيت وما يتعلق به لا إشكال فيه، بل ويستحب ذلك، وقد يجب إذا كان يخاف من وقوع حادث أو إرتكاب محرّم، وهذا من الطرفين أي من الزوج والزوجة)، ومن أجل بناء أسرة متماسكة منذ البداية كما يرى الكرباسي: (يجب أن يكون التفاهم سيد الموقف في كل المجالات من الجنس، والأكل، والشرب، والنوم، والسفر، والحضر، والزيارات، والعلاقات، والشراء، والبيع، وتربية الأطفال، وكل ما له علاقة بهما).
ومن معالم الأسرة المتماسكة أنه: (يجب على الزوجين الإحتفاظ بأسرار البيت) وعليه: (يحرم على كل طرف نقل خصوصيات الآخر حتى إلى أقرب الأقرباء)، بل (لا يجوز للطرفين نقل خصوصيات الآخرين)، ولأنَّ لكل زوج وزوجه أسراره الخاصة قبل العقد فإذا تم الزواج ومضى: (لا ينبغي للزوج أن يستنطق زوجته ليعرف أحوالها قبل الزواج، وكذلك لا ينبغي للزوجة أن تفعل ذلك)، بل وكما يعلق الشيخ الغديري: (وقد يحرم ذلك للسائل والمسؤول عنه لمكان هتك الحرمة ووقوع الفساد والمفسدة أحيانًا أو ضياع بعض الحقوق الثابتة ونحوها من المفاسد).

مسرى لقمة الطفل
ولأن المال هو عصب الحياة وأول الزينتين يتبعها البنون، لذلك: (ينبغي على المرأة أن لا تضايق زوجها في الإنفاق، وعلى الزوج أن لا يكون معسرًا، بل سبّاقا الى ذلك حتى لا تحتاج المرأة إلى المطالبة بذلك)، ومقتضى الحال: (على الزوجين مراعاة حالهما الإقتصادي فلا يحسن التبذير والإسراف كما لا يحسن البخل والضيق).
ولكن ما هو الموقف؟ إذا قامت جهة رسمية او أهلية بتكفل المعيشة كلا أو بعضا كما في نظام الضمان الإجتماعي لمن فقد العمل كلا أو بعضا، أو لوجود علة مرضية مؤقتة أو ثابتة، فهل يسقط واجب الإنفاق على الزوجة، يرى الفقيه الكرباسي أنه: (إذا تبرعت جهة بالنفقة بدلًا عن الزوج ورضيت الزوجة بذلك فلا يحق لها مطالبة زوجها بالنفقة، كما هو الحال في الضمان الإجتماعي المتعارف عليه في الدولة الغربية) في الوقت نفسه: (لا يحق للزوج أنْ يأخذ منها ما زاد على نفقتها، والأصلح التوافق فيما بينهما)، لكن المعلق يرى أنه: (لا يسقط وجوب الإنفاق على الزوج بالضمان الإجتماعي إلا في حال يتعسّر عليه ذلك بسبب فقره وعدم استطاعته به)، ويؤكد في الوقت نفسه أنه: (لا يجوز التوسل بالكذب وعدم إظهار الواقع لأجل الإستفادة المالية من الضمان الإجتماعي ألبتة، ولا يشمل ذلك ما قيل ويقال من باب التقاضي من الكفار، وليس هو إلا لعبة سياسية ولا علاقة له بالمباني الفقهية بوجه) بل يدعو الى ما هو أكثر من ذلك باعتبار أن: (الضمان الإجتماعي الموجود في الدول الغربية قد يوجب الإفساد في الأسرة، فلا يجوز الإتكال عليه إذا كان من الممكن التوسل إلى مخرج آخر، ويستثنى منه حال الإضطرار كما في سائر الموارد).
وقد دلّت التجارب أن تقاعس الزوج عن العمل والإتكال على الضمان الإجتماعي والتحايل على القوانين ساهم في تفكيك الأسر وزيادة الطلاقات، فالآباء الذين يتوسلون بأعذار غير حقيقية لنيل المعونة الحكومية معتبر إنما يقدمون لأبنائهم نموذجا سيئا عن الأب الذي لا يحسن إدارة بيته، وربما سار الإبن على سيرة أبيه وتلك مصيبة أخرى، من هنا يشدد الفقيه الكرباسي على هذه المسألة ويرى أنه: (لا يحق للزوجين أن يلجآ إلى الضمان الإجتماعي إذا كانا قادرَين على الإنفاق)، بل ويزيد الشيخ الغديري أنه إذا: (كان هناك مداخل قانونية عدة لإثبات استحقاقه أو استحقاقها فردًا وجمعًا، فلا يجوز اللجوء إليه في صورة القدرة على العمل ونحوه من أسباب الإنفاق وإمرار المعيشة).
لا خلاف بأنَّ الأسرة هي المدرسة الأولى للطفل، وكل ممارسة سليمة او غير سليمة تنغرس في خلد الطفل وذاكرته، وتبرز مع نموه وتقدمه في العمر إن خيرًا فخيرٌ وإنْ شرًّا فشرٌ، واللقمة التي يتناول الطفل لها تأثيرها الخفي على مسيرته في الكبر ولهذا يرى الفقيه الكرباسي أن: (تغذية الطفل من الحلال واجب شرعي، ولها تأثير في تربيته وإنمائه)، كما: (لا يجوز ممارسة الجنس أمام الأطفال بحجة أنهم لا يدركون)، وقد أفرد الفقيه الكرباسي مجموعة مسائل في علاقة الوالدين بالأبناء وخلاصة الأمر: (كل الآداب الإسلامية والأخلاق الفاضلة لابد وأن يكتسبها الأولاد من مدرستهم الأولى وهو البيت، ثم المدرسة السليمة، ثم المجتمع السليم، ومراعاة ذلك يقع على عاتق الوالدين).
في الواقع إن تطبيق ما أورده الفقيه الكرباسي من مسائل فقهية لتنظيم الأسرة، ليس بالأمر الهين والسهل، ولكن مراعاتها بالقدر الممكن دون تساهل وتقصير، لها كبير الأثر في قيام مجتمع سليم، وهذا ما يرجوه كل أمين على أسرته ومجتمعه، وهذا هو محور رسالة الأنبياء والأوصياء وقادة الإصلاح في كل مجتمع بغض النظر عن الدين والمعتقد.
الرأي الآخر للدراسات- لندن

عام التعافي والانطلاقة فهل يكون العام القادم عام المواطن والعدالة الاجتماعية ……

عام التعافي و الانطلاقة فهل يكون العام القادم عام المواطن و العدالة الاجتماعية …….
من المؤكد أن أي قراءة لأي مجال في سورية يجب أن لا ينظر وفق مؤشرات و سياسات مثالية لبلد يمتلك كل الخيارات و الأدوات للإدارة المجتمعية فالإحاطة بالأزمة لا يعني انتهائها و تداعياتها ستنعكس لسنوات طويلة و هذه التداعيات تقلص الخيارات و البدائل و إنطلاقاً من هكذا رؤية سيكون مسار تقييمنا الكلي بعيداً عن الجزئيات , فرغماً من استمرار معاناة المواطنين المعاشية لايمكننا نكران جهود الأغلبية الحكومية التي بذلت بنشاط حيوية ولكن ضمن استمرار نفس العقلية التي كانت قبل الأزمة وكانت مدخلاً لها قبل استغلالها الدولي و الإقليمي وفق مخطط قذر هدفه الاستنزاف وقطع التنمية بكل أنواعها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية من أجل تحويل سورية إلى دولة فاشلة بعدما وصلت لمراحل تنموية متطورة تضاهي أغلب البلدان و قدر من العدالة الاجتماعية كون نسيج صلب صعب الاختراق إلا بانقلاب اقتصادي اجتماعي صدموي وقد كانت السمة الأكبر للعام الماضي عام 2017 هي التعافي الاقتصادي و ذلك بعدما أطلقنا على العام الماضي 2016 عام الاحتواء لكل الضربات و الأساليب القذرة وخاصة بالاقتصاد من حصار ومضاربات و عقوبات و تهريبات من أجل ضرب المنتج المحلي و حرق وتهريب محاصيل أساليب دواعش الاقتصاد و متربصي الفرص القذرة ,فقد كان واضحاً التوجه العام نحو التقشف للأغلبية عبر السياسات والأدوات المالية و النقدية و عبر جدولة المستوردات بحيث تتجه نحو السلع الضرورية و نحو طاقات إنتاجية جديدة سواءاً بالقطاع الزراعي أو الصناعي وبما يعطي الشكل العام للمشهد بانتظار الغوص بالتفاصيل , ولكن هذا التحسن الاقتصادي لم ينعكس بشكل مناسب على معيشة المواطنين فالتحسن الجزئي للمؤشرات الاقتصادية كان يفترض انعكاسها على معيشة المواطن عبر زيادة الرواتب و الأجور وخاصة بعد الفجوة الكبيرة بين الدخل والأسعار و التي بلغت فوق الـــ200 ألف وفق متوسط أجر ( 26 ) ألف و متوسط تكلفة معيشة لأسرة من 5 أشخاص حوالي 275 ألف ليرة سورية ، و توقع الخبراء اتخاذ الحكومة هذه الخطوة ,خطوة أولى لتحسين الوضع المعيشي للمواطنين وفق نسب فقر كبيرة وفقر مدقع لأكثر من النصف و لكن قلة الموارد من جهة وعدم استثمار الوضع الاقتصادي والعسكري على نحو أمثل جعل اتخاذ هذا القرار أمراً صعب التحقيق في ظل تكرار مسؤولي الشأن المالي احتمالية ذلك لاعتبارات عديدة، فإطلاقنا على العام عام التعافي والانطلاقة،كان من منظور ما كان يراهن عليه طوال الحرب من ناحية الإسقاط الاقتصادي لتحويل سورية إلى دولة فاشلة لكنّ هذا الرهان سقط، وقد كتبت الانطلاقة والتعافي برسائل وعناوين ومنها معرض دمشق الدولي ومؤتمرات للاستثمار دلت على تزايد الأمن والأمان بفضل الجيش العربي السوري، وزادت الموارد الاقتصادية بتحرير الكثير من الأراضي وكذلك المناطق التي تحوي الآبار النفطية والغازية، ما انعكس إيجاباً على الطاقة وخاصة الكهرباء وخفّت أغلب الأزمات فيما يخص الطاقة وزاد الأمان على أغلب طرق النقل وأعادت الحياة لأغلب المدن الصناعية وحاولت الحكومة تلبية أغلب مطالب الصناعيين، لذا كانت انطلاقة مدروسة وإن لم تنعكس على مستوى معيشة المواطنين رغم تحسن سعر الصرف وبقيت الفجوة كبيرة بين مستوى الدخول والمبلغ اللازم لتأمين مستلزمات المعيشة.
وقد توافقت رؤيتنا مع رؤية للحكومة في عدم زيادة الأجور من أجل عدم فلتان الأسعار في ظل «حركة بدون بركة» لوزارة حماية المستهلك في ضبط الأسعار ومواجهة الاحتكار، الذي يعد أحد أهم مسببي التحكم بالأسعار، وكذلك يؤخذ على موضوع السياسات النقدية والمالية بأن المصرف المركزي لم يكن جاداً في تخفيض سعر الصرف وكان موضوع الرسوم والضرائب بعيداً عن الحالة المعيشية للمواطن وفي حالات محاباة لبعض الفئات على حساب المواطن,ولكن بنظرنا سارت الظروف بالشكل الذي بنينا عليه نظرتنا لعدم زيادة الرواتب إلا أن الأداء الحكومي بالسير نحو هذا الخيار كان ضعيفاً من ناحية مواجهة قوى السوق المحتكرة للمواد و المتحكمة بالعباد ويعد ذلك استمرارية لنهج ما قبل الأزمة بترك مفاتيح الاقتصاد و السلع الضرورية بيد بعض المحتكرين الهادفين للربح ولو على حساب لقمة عيش المواطن و عافية الوطن فكانت وزارة حماية المستهلك هي الأكثر ظهوراً ولكن ديكورياً من دون فاعلية فكانت عقوباتها آنية شكلية و ليست غائية هادفة لضبط الأسعار و منافسة محتكري المواد وكيف تفعل ذلك إن استمرت بآلية استجرار المواد من محتكريها و الانقياد بالأسعار ورائهم وإن قامت بحملات إعلامية دعائية على سلع لا تنعكس على معيشة المواطن كالمتة و الشاورما لتفاجئنا باستجرار مادة الموز و توزيعها في وقت يجب أن يواجه استيراده المحارب لمحصول الحمضيات الاستراتيجي و يبقى السؤال كيف تستجر مؤسساتها الموز لكسر سعره و تتعامى عن الاستجرار المباشر عن طريقها أو عن طريق مؤسسة التجارة الخارجية لسلع ضرورية يومية يحتاجها المواطن باستمرار ، وهنا يجب التأكيد على أهمية الدور المنوط بوزارة حماية المستهلك و بوقت التعافي و الانطلاقة و هذا الدور لم يستثمر ولم يكن بما تتطلبه الظروف و الصور و الديكورات لا تعني الكفاءة و الجودة بالأداء وإنما العبرة بانعكاساتها على أسعار المواد وجودتها و صحيتها و توفيرها ومنع احتكارها و إيجاد العقوبات الرادعة لتكون وسيلة لعدم المشاركة بالحرب على البلد من منظور اقتصادي,وكذلك فإنه رغماً من حيوية ونشاط في إعادة تأهيل المناطق المحررة وإعادة الروح لها حسب الإمكانات و الطاقات ولكن لم نجد نيات و أفعال واقعية لإصلاح القطاع العام وخاصة الإنشائي و الصناعي في ظل الحاجة الماسة لجهوده ولكل الطاقات الأخرى لإعادة الإعمار ,حيث لا تزال بعض القوى تفرض رؤيتها على الحكومة بمعزل عن معاناة المواطنين وأزمة البلد، والأمثلة كثيرة على ذلك كموضوع تسعير الأسمدة قبل إعادة تقييمه وأسعار الأدوية، وكما حصل في استيراد القطاع الخاص للمازوت,رفع أسعار كاقطرة تضخمية ومنها ما حصل بالإسمنت ومن هذه الناحية كان نظام التسعير محابي للخاص وشكل ميزان لرفع الأسعار في فترة معينة ومن دون إعادة النظر ببعض الأسعار من العام لن نجد تعافي للأسعار بشكل عام وهو ما لاحظناه بعد إنخفاض سعر الصرف الذي لم يرافق بهكذا سلوكيات وإنما ترافق برفع رسوم وفرض ضرائب جديدة ولكن فعليا ًمتى دارت عجلة الإنتاج بدأ الاقتصاد يدخل مرحلة التعافي، وهو ما تحقق هذا العام بدليل زيادة حجم الإنتاج والصادرات، مع انخفاض حجم المستوردات، التي تشكل المواد الأولية ومدخلات الإنتاج حوالي 75%، ما يبين تحسن واقع القطاع الصناعي، الذي يعد مع الزراعي من القطاعات الإنتاجية الحقيقية، مع أهمية القطاعات الأخرى لكنهما يبقيان الأهم، فهما الرافعان الأساسيان للاقتصاد المحلي…
وبالنسبة للسياسة النقدية فإنه على الرغم من استقرار سعر الصرف بعد هزات سابقة لكنه أطال الاستقرار حول سعر فاق ما ورثه الحاكم الحالي بحدود 530 ليرة بعد ان أوصله السابق ل470 بعد هزات عنيفة و حالة تذبذب تعد أخطر من الارتفاع، وهو أمر أثنى عليه التجار والصناعيون نظراً لتأثيره الإيجابي في الأسواق استيراداً وتصديراً، وكانت السياسة التي انتهجها المركزي اعتماده على المصارف العامة والحد من دور شركات الصرافة التي كانت متهمة سابقاً في المضاربة على سعر الليرة وتوسيع نطاق السوق السوداء، التي تقلص دورها تباعاً وخاصة بعد قراره مؤخراً في تخفيض سعر الصرف إلى حدود 430 ليرة، ما شكل صدمة بداية للأوساط الصناعية والتجارية، التي استجابت للوضع الراهن نتيجة طمأنتها للمتغير الجديد، الذي يصب في مصلحة قوة الليرة واستعادة عافيتها، وتالياً تحسين القدرة الشرائية للمواطن عند عكس ذلك على أسعار السلع، الأمر الذي لم يستجب له التجار فوراً من جراء عجز التجارة الداخلية عن وضع حد لاحتكارهم لها بسبب اعتماد سياسة تسعيرية غير صحيحة، ما يفترض إعادة النظر فيها بغية تمكنها من فرض سيطرتها على الأسواق وإلزام التجار بقراراته
ولم تكن السياسة النقدية لمصرف سورية المركزي منذ بداية العام الجاري واضحة المعالم حتى الأشهر الأخيرة، إذ كان جل الاهتمام منصباً على سعر الصرف المتأرجح بين الارتفاع والانخفاض، وكيف السبيل إلى مواجهة مضاربي السوق والحفاظ قدر الإمكان على الاحتياطي الاستراتيجي من القطع الأجنبي، ولكن لم يُكتب للقائمين على المركزي حينذاك النجاح في مساعيهم، والسبب يعود إلى قرارات فتحت المجال أمام المواطنين لتحويل أموالهم بالليرة إلى قطع أجنبي وادخاره، أملاً بتنفيذ صفقات تحويل يجنون منها مرابح خيالية، وكان للانخفاض الحاد في سعر الصرف لحدود 400 في السوداء ومحاولة المركزي تثبيته بحدود 440 ليرة تأثيراً على القراءة لأهم المواضيع التي كان الرهان واضح عليها , فبعد سيرورات سعر الصرف أصبح المركزي يملك الأدوات للتحكم بسعر الصرف و لكن إصراره على سعر مرتفع دفعنا للتساؤل حول المبررات وخاصة كان الرهان على تحسين سعر الصرف و ضبط الأسعار ومنها الوقود لتحسين مستوى المعيشة من دون الانقياد لزيادة الرواتب و التي ضمن هكذا سلوكيات أصبحت ضرورية ,

وبخصوص السياسة المالية سعت وزارة المالية لرفع المساهمة في إعادة الإعمار من خلال رفع رسم المساهمة في إعادة الإعمار إلى 10% بعد أن كان 5%، وبرر كسلوك آني رغماً من إنعكاسه على مستوى المعيشة و استمرت الدراسات لزيادة الرسوم للكثير من الخدمات وسط استغراب لجهل الغاية من هكذا سياسة , وكان هناك إيجابيات بالعمل الجدي بموضوع القروض المتعثرة بحيث بوشر بتحصيلها ووضعها موضع التطبيق و تحصيل جزء كبير منها وكذلك فتح موضوع إعادة تقييم أملاك الدولة و التي كانت تؤجر بأسعار زهيدة وسط فساد علني غير عابىء بأي مسؤولية و كذلك كان العام الماضي إيجابي من ناحية التخفيف من أغلب الأزمات المازوت , الغاز , الأدوية, وكذلك كانت من الأمور اللافتة تصريحات لبعض المسؤولين لا تراعي المواطن و لا ظرف البلد متضمنة استخفافاً و استهزاءاً وهو ما يجب أن يلفت النظر له لتداركه , من مزايا العام المنصرم طرح مشروع الإصلاح الإداري وفق رؤية صائبة و تحليل عميق و دقيق للواقع وعلاجات صحيحة ولكن لم يبدأ العمل به وكانت أهم بنوده التعيين على أساس الكفاءة و النزاهة و تفعيل دور المتابعة و المراقبة و المحاسبة للإحاطة بالفساد المستشري بشكل غير طبيعي يستثمر جزء منه من تجار الأزمة تجار الدم ,الفساد الذي لم يستثن أي قطاع ومنها التعليم و القضاء و حتى نهج تحويل أغلب المشافي لهيئات أكمل المشوار وكذلك لوحظ تعافي السياحة و خاصة الداخلية بانتظار عودة العافية للصناعة السياحية التي كانت رافداً كبيراً لموازنتنا , المهم وإن كان هناك تقصير يوازي ما حققته المؤسسة العسكرية من إنجازات و لكن اللبنات الأولية الأساسية للإنطلاقة الفعالة قد وضعت بانتظار وضعها موضع التطبيق و العمل لمكافأة المواطن الذي صبر و احترام الدماء التي فاضت و الأمل كبير و الإمكانات متوفرة و سيكون العام القادم عام الوطن والمواطن و السياسات الهادفة لتحقيق العدالة الإجتماعية قدر الإمكان لمواطن يراعي ظروف بلده ولكنه يتطلع لإستثمار الموارد و الطاقات الإستثمار الصحيح ..
الدكتور سنان علي ديب/ جمعية العلوم الاقتصادية /

التدمير الممنهج والإنسانية المفقودة بدواعي زائفة للدمقطرة/ استهلاك الثقافة وثقافة الاستهلاك

التدمير الممنهج و الإنسانية المفقودة بدواعي زائفة للدمقطرة /استهلاك الثقافة و ثقافة الاستهلاك /

مقدمة اضطرارية “هم يريدون أن ننسى أوطاننا و قضايانا و تاريخنا و حضارتنا و بث اليأس في نفوسنا من خلال استهلاك عاداتنا و تقاليدنا و تراثنا و ماضينا و حاضرنا ,
و نحن نقول لهم ,
لن ننسى دياناتنا السماوية و رسلها و ما حملته من قيم و معتقدات تدعو إلى المحبة و الإخاء و الإنسانية و بر الوالدين و التسامح و الوفاء و التضحية و الإيثار و لن ننسى حزبناو أحزابنا القومية و الوطنية و رموزها و ما قدموه لهذا البلد من رفعة و منعة و ما قدموه للعمال و الفلاحين من ثبات و استقرار و ما قدموه للمرأة من مكانة و دور فاعل ،عكس الغرب الذي حولها إلى سلعة تباع و تشترى ، و لن ننسى مؤسساتنا الوطنية التي تحافظ على حدودنا و على أمننا و استقرارنا ،ولن ننسى منظماتنا و الدور المنوط بها ،و لن ننسى قضايانا التي دفعنا الثمن الغالي من اجلها في فلسطين و الجولان واللواء و الأراضي العربية المحتلة ,
لن ننسى شيوخنا و حكمتهم الكبيرة و عطاءهم المستمر، ورجالنا و قوتهم ،وشبابنا المحافظين المتجددين، صنعوه في مجتمعاتنا من فساد و إفساد , لنتذكر أن هناك أشخاص يصنعون من المنصب قيمة كبيرة فمهما كان الكرسي صغير فهم يكبروه ويظلون كبار بعد انتهاء عملهم في هذا المنصب وأن هناك أشخاص مهما كبر الكرسي يصغروه و بالتالي لن ننسى أن نكون أوفياء لك من قدم خيراً لبلدنا في تقييم عقلاني بعيد عن الحقد و الكراهية،ولن ننسى منظوماتهم للأفساد و التهديم و التدمير والأدوات التي ساعدتهم لقتلنا و سلبنا و استنزاف ثرواتنا المادية و المالية و البشرية
و أخيرا لنتذكر و نذكر الآخرين أن سورية قلب العروبة النابض، و نبع الإنسانية، يمكن أن تميل قليلاً مع العواصف الكبيرة، و لكن لا يمكن أن تنكسر ،لأن انكسارها يعني نهاية العالم و التاريخ “. إن التحول المتسارع الكبير و الكثيف نحو الاستهلاك الحالي الهائل نحو الأساسيات أو الكماليات لم يأت من فراغ ،و إنما كان نتيجة لاستراتيجيات وضعت من قبل الكوادر المؤهلة و المتخصصة في العالم الغربي، و العالم الامبريالي الليبرالي نتيجة لقراءة و دراسة عميقة و مكثفة لبنية مجتمعاتنا من كافة النواحي ،و خاصة النواحي الثقافية و الفكرية التي أسهمت في القرن الماضي في تبلور و تكريس و تجسيد مبادئ و قيم و عادات و تقاليد نتيجة تأثير محصلة تفاعل التعاليم السماوية و التطورات الحضارية و التاريخية ، معرقلة للفكر الامبريالي الاستعماري بأنواعه المختلفة ،و أهدافه الواحدة و المتمثلة في استمرار عملية التبعية المطلقة التامة له ،و الدونية تجاهه ،و استمرار العمل بالمعادلة التي تنص على أننا سوق استهلاكية لمنتجاته من جهة ،و مستودع و مركز للمواد الأولية ذات الأسعار الزهيدة التي يجب أن تبقى أولية ،و يمنع بمختلف الأساليب و الأدوات الوصول إلى تنمية قادرة على الارتقاء، و الاستمرار، و التوازن، بحيث نستطيع الاعتماد على النفس من اجل الوصول إلى الاكتفاء شبه الذاتي الذي يؤدي إلى خلخلة في توازن مجتمعاتهم و انتشار أمراض مدمرة كالبطالة و غيرها ,
و على العكس من ذلك كانت الرؤية الغربية و التي تقول عوضاً عن دراسة مدى حاجة هذه المجتمعات و بدلاً من القيام بدراسة الجدوى الاقتصادية يجب الوصول إلى مرحلة تكون المجتمعات الأخرى سوقاً لتسويق منتجات هذه الآلات بعد أن تبدأ في الإنتاج مهما كان نوع الإنتاج ،و بالتالي يجب الوصول إلى اللا وعي ، وإلى الاستهلاك الغرائزي ،و من اجل الوصول إلى هذا الموضوع لا بد من تفريغ المجتمعات الأخرى من كافة القيم و العادات والتقاليد و الفنون و الاتجاهات الفكرية و الإيديولوجية المتجددة، و التي أدت و تؤدي إلى تبلور سياسات تنموية اقتصادية و اجتماعية وثقافية و فكرية ،و إلى قيام قوى واقعية عقلانية موضوعية ممانعة لكافة أشكال السيطرة و التبعية و الغزو, إن كان غزواً عسكرياً أو غزو سياسياً أو غزواً ثقافياً أو غزواً فكرياً ,
هذه القوى القادرة على أن تكون القائدة لإبداع مجتمعاتها و استمرارية النمو و التنمية و استقلالية القرار, فهنا مكمن المعادلة الواقعية التي يجب تغيرها بنظر الامبريالية المتلونة حسب التطور التاريخي، و حسب الواقع و الظروف المختلفة للفرائس المرغوبة، بأهداف واحدة و أساليب مختلفة تراعي الاصطفاء الحاصل بين هذه القوى عبر الزمن ،هذا الاصطفاء الذي يراعي تركز رؤوس الأموال و قوتها, فمن طبقات برجوازية إلى سياسات رأسمالية إلى ما بعد رأسمالية إلى ليبرالية إلى ما بعد ليبرالية و كذلك تنوع الأدوات مع المحافظة على الأكاذيب التي تصف هذه القوى الامبريالية بالمتحضرة عند شعوبها المسلوبة الإرادة و التفكير باستبدال الغزو المباشر و السرقة و النهب المباشرين بأشخاص تابعيين، و من ثم و بعد التفرد العالمي لجزء من هذه القوى فكان لابد من وحدانية القرارات عبر ما يسمى بالعولمة المصبوغة بالأمركة
و يتم ذلك عن طريق إضفاء الصفة القانونية العالمية لهذه السياسات عبر اختراع مؤسسات دولية مسيطر عليها تكون جاهزة لاتخاذ القرارات المناسبة التي تكرس المعادلة التي يعملون ضمنها ،و لا يسمحون لأحد بتجاوزها فمن الناحية السياسية سخروا الأمم المتحدة فإن عجزوا عن الإجماع تجاوزوا القرار و قاموا بالعمليات التي تناسب مصالحهم و غزوا العراق و دمروا و نهبوا و قتلوا بما يناسب فكرهم الحاقد الذي يعتمد على المصلحة, بحيث يدمروا البنى التحتية من اجل إعادة بناءها من قبل شركاتهم مما يجعل العراق تحت وطأة الديون من جهة و يخلق فرص عمل لشركاتهم و يكرس تحكمهم بثرواته و خصوصاً الثروات النفطية , و يدمروا آثاره التي تدل على عمق المنطقة تاريخياً مقابل تاريخ غير معروف لا حضاري و سطحي لهم فسرقوا و نهبوا آثار العراق و كذلك إعادة التنمية في هذا البلد إلى ما دون الصفر بعد أن قطع مراحل متقدمة في التنمية بكافة أشكالها و من ثم يعودوا إلى هذه المؤسسة لتبني قرار بمفعول رجعي و هكذا تكون عاقبة من يحاول أن يغير بالمعادلة و يحاول أن يتجاوز الحدود المسموح بها في مجال التطور الفكري و الإيديولوجي و الاقتصادي و حتى لو كان صديق الأمس و لكنه خرج عن السيطرة و حتى لو كانوا هم من ورطوه في الكثير من الحروب و الغزو المستمر و حتى لو كانوا هم من صنعوا منه المارد القوي الخطير على مصالح جميع المحيطين و لكنه في استفاقة تاريخية أو في تكتيك معين بتلمس الوقت المناسب للسير بما نؤمن، أو في وقت استشف منه أن الامبريالية في طريقها للتخلص منه إتباعاً لسياستها في استهلاك الأشخاص القائمة على اختيارات دقيقة لأشخاص يملكون مؤهلات تناسب تطلعاتهم، و من ثم تلميع هؤلاء الأشخاص، و دعمهم بما يناسب الدور المنوط بهم ،و بما يناسب مصالحهم طبعاً هذا ليس من باب الاتهام بالعمالة، و لكن الظروف التاريخية والعالمية المحيطة تفرض علينا موافقة و لو غير معلنة بشكل مباشر على الأشخاص بعد دراسة متعمقة لشؤون البلدان الداخلية و للمصالح الخاصة بالغرب و لمصالح القوى المنافسة ،و لكن الكثيرون ناوروا ثم ساروا بما يمليه عليهم عمقهم التاريخي والقومي و الوطني و الديني
فكان لا بد من الإقصاء عبر الاغتيال أو عبر الإبعاد أو عبر افتعال المشاكل و الفتن , ومن أجل عولمة الاقتصاد بما يناسب مصالحهم صنعوا المؤسسات الاقتصادية الدولية كالبنك الدولي و صندوق النقد الدولي و منظمة التجارة العالمية و التي تهدف إلى فرض سياسات اقتصادية و اجتماعية واحدة على بلدان مختلفة ذات بنية اقتصادية و اجتماعية و سياسية و ثقافية مختلفة على مبدأ دواء واحد لجميع الأمراض، فلابد أن يؤدي إلى زيادة الأمراض أو إلى الوفاة ،و كان الهدف المخفي لهذه السياسات منع استمرارية و توازن و استقلال التنمية المستمرة المتوازنة و المستقلة التي تؤدي إلى مخرجات تجعلنا نعتمد على ذاتنا و نبتعد عن استهلاك منتجاتهم , و هذه السياسات تقوم على تخفيض الرسوم الجمركية إلى درجة الإلغاء من اجل منع الحماية للصناعات الوطنية من جهة ،و من اجل إخلال توازن الميزان التجاري من أجل زيادة استيراد الكماليات و البضائع بعد أن يكون هناك تهيئة عن طريق خلخلة الثقافة و تسطيح التفكير , و كذلك رفع الدعم عن المنتجات و تثقيل كاهل المواطنين بضرائب ذات كمية كبيرة و أنواع عديدة و متجددة بما يؤدي إلى زوال الطبقات الوسطى حاملة و حامية التراث الفكري و العقائدي و موازنة المجتمع، و تهيئة الظروف لصراعات قادمة تأخذ مناحي كثيرة, كذلك كان أحد فروض هذه المؤسسات الاقتصادية المعولمة هو تقليل سيطرة الدولة ،و ذلك لأن هذه الدول قادرة على إعادة التوازن للحياة الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية نتيجة التطور التاريخي و العقائدي و الايديولوجي الاصطفائي المتراكم
وهنا يكمن احد أهم الأهداف التي حاولت فرضها و هو الوصول إلى استهلاك المؤسسات الوطنية المتجددة و المتطورة بما يحافظ على وحدة و قوة و منعة البنيان الداخلي، وهذه المؤسسات التي لعبت دور الموازن و المستثمر الخير بما يناسب الظروف الموضوعية في الفترات الزمنية المختلفة , مما أوصلنا إلى ما نحن عليه من امن و استقرار و تنمية و تطور وأسس تنموية واعدة فكان لابد من العمل على خلخلة هذا الاستقرار و تهديم هذه الدعائم التنموية , فلذلك يجب تحجيم دور هذه المؤسسات وسد الفراغ الحاصل من وراء هذا التحجيم بصنع مؤسسات خاصة دورها حماية مصالح من أوجدها و هذا أخطر ما كان يسعى إليه , طبعاً من فكر بهذا الفكر فهو قاصر و سطحي التفكير, و لكن يمكن أن يكون قد أفاد من حيث لا يدري باتجاه زيادة تمسك الغالبية العظمى من المواطنين و القوى الوطنية و الفكرية و الاجتماعية بهذه المؤسسات و تبلور شعور قوي و شبه عام بضرورة المحافظة على هذه المؤسسات المتجددة و الموازنة للمحافظة على وحدة و منعة و استمرارية تطور البلدان , و بذلك فإن الهدف المأمول و الذي تعمل عليه القوى الامبريالية أو المحصلة المرغوبة هو عدم استقرار المجتمعات من اجل تهيئة الظروف المناسبة لصراعات دائمة تمنع التنمية و استكمالاً للأهداف التي يؤمنون بها ،و هي استمرار هذه الدول كسوق للأسلحة التي لا بد أن تتحول إلى خردة مع الزمن و كذلك لاستمرار المعادلة الأساسية التي ساروا و يسيروا عليها و التي تنص على بقاء الدول الأخرى بمختلف التسميات ،الثالث ،دول العالم الفقير و دول الجنوب والنامي كمستودع للثروات و حامي لها و سوق لتصريف منتجاته و دون مرحلة الإبداع و الإنتاج الذاتي ، أي استمرار التخلف و زيادة التخليف ،و بالتالي منع أي تنمية من تجاوز حاجز معين، و بالتالي نسف مقومات التنمية و منع استمرارها و توازنها و استقلالها,
هذه الأهداف بقيت و إن اختلفت الأدوات لتطبيقها , فالدول الأخرى هي المصدر للمواد الأولية سواء عن طريق النهب و السيطرة عبر الاستعمار المباشر أو عبر الوكلاء و الإتباع , و بعد التطورات المتسارعة و انعكاس آثار هذه التطورات على بنية مجتمعاتهم التي بنوها من خلال سلسلة من الأكاذيب التي تخدم طبقة المال مؤكدة المقولة: إن هناك حقيقة لا يمكن إغفالها ، تؤكدها سيرورة التاريخ ، وهي بروز فئة ، أو شريحة متذبذبة أثناء انتقال المجتمعات البشرية من تشكيلة اجتماعية إلى تشكيلة أخرى كذلك أثناء التحولات السياسية ، أو الاجتماعية ، أو الاقتصادية التي تمر بها المجتمعات ، أو الهزات التي تتعرض لها فتسعى جاهدة وبشتى الوسائل إلى تحقيق مآربها الذاتية ، مستغلة التناقضات القائمة و من أجل ترتيب البيوت الداخلية للبلدان المستهدفة لا بد من تغيير العادات و التقاليد و القيم و تفريغ الإيديولوجيات من اجل الوصول إلى بناء ثقافي فكري إيديولوجي هش , إسفنجي و لا يمكن أن يتم ذلك إلا وفق برامج و سياسات مكثفة و متعددة بأدوات مختلفة و بالتالي لا بد من الغزو الثقافي لهذه البلدان و هنا لا بد لنا من التفريق بين هذا الغزو و بين حوار أو تبادل الحضارات أو الثقافات, فالبنسبة للحوار فإن امتنا قد أفادت الكثير في الماضي و استفادت من الكثير من الحضارات في السابق و استطاعت أن تدخلها إلى بنيتنا الثقافية و الفكرية و العلمية بما قوى و متن البناء , فنحن نسعى إلى هذا الحوار البناء و نعمل له و من اجله لما فيه مصلحة بلداننا , فالثقافة الغربية تحمل الكثير من القيم و الأفكار الإيجابية التي تساعد و تساهم على استمرارية تنميتنا الذاتية
ولكن هم لا يعملون على نقلها إلينا و يعرقلونا من الاستفادة منها, أمّا في الغزو الثقافي فإن الأمة المستهدفة بالغزو تُغذى بأمور سلبية وثقافة ضارَّة, فيريدون تحويلنا من الحياة الاجتماعية التي قامت على كون الأسرة اللبنة الأساسية للبناء القوي إلى التفتيت و التهديم القائم على الفردية و على أن المال هو أساس الحياة و معيار التقييم فيها و على تسطيح التفكير و بالتالي لا بد من تهديم القيم الإنسانية القائمة على الإخاء و المحبة و الوفاء و الإيثار و الكرم و المروءة والرجولة و الشجاعة و التضحية و القيادة و الإبداع و الابتكار وصلة الرحم واحترام الكبير و رضا الوالدين و التضامن الاجتماعي و ما نشأ عنها من عقلانية و موضوعية و ثبات و صلابة و عمق في التفكير , فعلى سبيل المثال: عندما بدأ الغزو الثقافي الأوروبي لبلدنا، لم يصطحب الأوروبيون معهم قيماً من قبيل روحية احترام قيمة الوقت, الشجاعة والإقدام, تحمل الأخطار في مواجهة الأمور و روحية التدقيق والمثابرة في البحث العلمي، ولم يريدوا لشعبنا أن يتربى على هذه القيم ويتبعها، لكي لا تكون شعوبنا شعوباً تتحلى بالمسؤولية و بالمسابقة في الانكباب على العمل ولا أن تتصف بالمثابرة العلمية,كلّ الذي جلبوه إلى هذه البلاد هو التحلّل والإباحية الجنسية و شجعوا الطائفية و المذهبية و صراع القوميات و حولوا العبادات إلى عبادة المال, و بالتالي فثمة فارق كبير بين الغزو الثقافي وبين التفاعل أو التبادل الثقافي. فالتفاعل الثقافي يُعبّر عن ضرورة تحتاج إليها الشعوب, فليس ثمة شعب من الشعوب يستطيع الاستغناء عن الإفادة من معارف الشعوب الأخرى. والثقافة والمسائل التي تندرج في العنوان الثقافي هي من بين ذلك,لقد كان مسار التاريخ كاشفاً أبدا عن حالة التفاعل هذه ويشهد عليها, فالعلاقة بين الشعوب والتواصل فيما بينها قادت إلى التفاعل فيما بينها على صعيد آداب العشرة, الأخلاقيات العامة, العلم, شكل اللباس, طراز الحياة, اللغة, المعارف, والدين, وهذا النوع من التفاعل يفوق في أهميته عملية التبادل الاقتصادي والتجاري. و لكن في هذه الأيام تتفشى العديد من الأمراض السارية نتيجة غزوهم و لإقحام أفكارهم و معتقداتهم تتغلغل في المفاصل الرئيسة في المجتمع ،مما انعكس على الكثير من المخرجات الفكرية و الثقافية , فظهر نمط من المثقفين وظيفتهم الأساسية استهلاك الثقافة والترويج لها دون ارتباط جدي بقضية بعينها و بعيداً عن مشاكل و هموم الوطن تسألهم فيقولون إبداعهم شخصي لا يهمهم انعكاسه على الوطن الذين يعيشون به و تربوا به فضلوا الأموال على القيم رضوا أن يكونوا تابعين بدلاً أن يكونوا وطنين محترمين فلا يمكن لتابع أن يكون وطنياً مهما لمع و سلطت الأضواء عليه ,و عبر السيرورة التاريخية و عبر الأدوات الكثيرة التي سخرت من أجل تحقيق أهداف تلك المجتمعات حيث تحولت
هذه الأهداف من أهداف دول إلى أهداف طبقات ما بعد رأسمالية تسيطر على العالم من خلال تحكمها برأسمال من جهة و تحكمها بمؤسسات صناعة القرار في بلدانها و في العالم و من خلال تجسيد انتصارها من خلال ما سمي العولمة و التي تبنت الولايات المتحدة الأمريكية نشرها حيث اقترنت باسمها فسميت الأمركة , و كان هدف هذه الحملة و التي انقاد وراءها بعض المفتونون بالغرب لأنه غرب و بالتالي الهدف تدمير و تحطيم البنى الثقافية المتأصلة نتيجة التراكم التاريخي و بالتالي الهدف هدم البنيان التنموي عبر الهدم الثقافي من اجل الوصول إلى مجتمعات متأزمة متصارعة لا تملك هوية لاعتبارين شعور بالنقص التاريخي الحضاري اتجاه هذه الحضارات المتجذرة المتأصلة و خاصة في المنطقة العربية و الإسلامية نتيجة تزاوج الأفكار و العادات و المعتقدات الذي أوصل إلى بنيان صلب قاد عملية بناء أرست أساس قوي لمشاريع تنموية مستقلة متوازنة متطورة في شتى المجالات الفكرية و الثقافية و الاجتماعية و الاقتصادية , عجز الغرب عن عرقلتها بالطرق السلمية عبر الحرب الإعلامية بأدوات هزت المعسكر الاشتراكي خلال الحرب الباردة , و بالتالي فإن الاستمرار وفق هذا الإطار سوف يقود إلى تجسيد و تكريس قوى بخلفيات مختلفة و متقاطعة وطنية و قومية و إنسانية و إسلامية هذه القوى التي فيما سبق كانت أن وجهت ضد بعضها البعض على الرغم من التقاطعات الكبيرة من نواحي شتى فهي تسعى إلى الإنسانية بشتى قيمها و معانيها , تسعى إلى المساواة و الإخاء إلى الإيثار إلى الولاء للوطن و قد تختلف في أمور ضخمت أو أضيفت إلى ممارساتها بعيداً عن الفكر ,
و بالتالي أصدقاءهم السابقون و أدواتهم التي استخدموها في معركتهم ضد الاصطفاف السابق ما بين معسكرين , أصبحوا أعداء اليوم المعرقلين لمشروعهم نتيجة أمرين الاستفاقة المتأخرة و الفراغ الكبير الذي حل بالعالم بعد مرحلة البناء الجديدة التي تبناها الاتحاد السوفيتي و بالتالي لابد من ملء الفراغ بأسلوب جديد يخدر شعوبهم من جهة و يجعلهم في رهبة دائمة و الخلخلة و الضغط على الحكومات و خاصة انه كان هناك بعض الدول التي لم تتأثر فيما حدث و امتصت الصدمة نتيجة إتباع أفكار و ليس التبعية لدول , فأصبحت محور الشر الاتهام الصرح و الواضح و بدأ استثمار الأدوات التي تسعى إلى المساهمة في تسطيح الفكر و منع الإبداع و التفكير العميق, فسخروا بعض الأقلام المغرضة من المرتزقة المأجورين أو التابعين أو الدونيين و الذين يسمون نفسهم التنويريين أو الليبراليين على الرغم من جهلهم بمعرفة ما يسمون أنفسهم به
لتمرير تضليلهم وتحقيق أحقادها الدفينة، المزمنة عبر الإعلام المرئي ، والمسموع ، معتمدة على الأدلة المفبركة – و مسبقة الصنع – وإلصاق التهم بالآخر ، واستخدام عبارات التهديد ، والتشهير ، بالإضافة إلى تلويث الفن بتصدير الفنون الهابطة للقضاء على الأصالة التي تتمتع بها مجتمعاتنا و الإكثار من الأفلام الإباحية و الدعايات التي تعتمد الجسد و الخداع البصري و التسويق لكتابات و روايات و أشعار لا تحوي إلا بعض العبارات التي تخدش الحياء و عندما تنتقد يكلموك عن الحرية و الديمقراطية و حقوق الإنسان و حرية المرأة التي حولوها إلى جسد يباع و يشتى , و حولوا الشرف إلى المقدار الذي تملكه من الأموال و لكن لم تخلوا الساحة لهم كما ظنوا فظهر نمط آخر من المثقفين ، ملتزم ، عقلاني ، متفهم للدور التاريخي للمثقف ، والمهام الملقاة على عاتقه في تحليل حاضر المجتمع ، وتحديد مشكلاته بوعي تاريخي ، وتوعية الناس بتلك المشكلات ، وتحديد أهداف المجتمع وبلورة وعيه حول تلك الأهداف ، وإشاعة وتأصيل الثقافة الجادة ، والعمل على عقلنة المجتمع بعقلنة السلوك والحياة اليومية والمؤسسات والفكر ، ومواجهة سلبيات الواقع ، ونقدها لقناعته أن الإصلاح هي مهمة الجميع ، ويتطلب مشاركة الجميع في عملية التنمية الشاملة , لكنه انطلق من هذه الاعتبارات ، كمثقف حامل الرسالة الأخلاقية دونما مواربة أو زيف ، للكشف عن وجه الحقيقة في هذا الزمن المزيف ,
هذه هي مهمة المثقف الملتزم ، الواعي لمسؤولية رسالته دونما تزلف أو نفاق ، والمدرك لضرورة ردم الهوة بين الخطاب والممارسة : المتخلي عن الرؤى الطوباوية و الطروحات المجردة التي فقدت مبررات وجودها ، ولا تستجيب للحاجات المتجددة للمجتمع ، فهو حارس للقيم الإنسانية والمدافع عنها ، المؤمن بالعدالة وفكرة العدل و المساواة , وهنا نتساءل كيف استطاع الجزء السلبي من الثقافة الغربية أن يتسرب إلى وجودنا بمثل هذا الشكل و لم نستفد من الإيجابي منها، مع أننا نملك إمكانية الاختيار, ما هو حاصلٌ الآن أن سهام و قنابل الثقافة الغربية تغزونا وتنفذ في وجودنا من خلال الراديو والتلفزيون وكتب الموضة والموديلات والمجلاّت، ومن خلال الموج الدعائي والصخب الإعلامي. و هكذا نجد أن الامبريالية ذات المشاريع الدائمة و المتجددة في زمن الاندحار و في زمن الانتصار تسعى إلى كيان عالمي متخلخل لا أخلاقي من خلال برامج و سياسات و أدوات تهدف إلى تلويث جميع القيم و المعتقدات الدينية و هذا ما نجده في حملتها ضد الإسلام و اختراع أدوات بعيدة عن الإسلام لتشويهه و إرهاب شعبها و لكن يبقى الإسلام جوهرة بيضاء تشع على طول الزمان و في حملتها لتفريغ الإيديولوجيات من محتواها و خاصة تلك التي تنادي بالفكر الاشتراكي و العدالة الاجتماعية لما ساهمت فيه من بنى قوية و صلبة و لكنها بالتأكيد ستفشل لأن هذه الإيديولوجيات متجذرة في النفوس و متوارثة عبر الأجيال و ستظل حقوقنا في فلسطين و الجولان و الأراضي العربية المحتلة ثابتة عبر الزمن غير قابلة للاستهلاك ولكن ليس بالكلام فقط تواجه هذه المشاريع التدميرية و بالتالي نقول ما العمل ؟

هل نقف متفرجين أم يجب علينا القراءة العميقة و المواجهة و خاصة أننا من شاركنا في إفشال و تأجيل مشروعهم المدعو الشرق الأوسط الكبير تحت أقدام أبطالنا و مقاومينا و لكن هذا لا يعني أنهم تراجعوا عنه لذلك لا بد من العمل الجاد و الدؤوب الذي تشارك به جميع القوى و الفعاليات الثقافية و الفكرية و الدينية و الاجتماعية و الاقتصادية ذات الاتجاه العام أو الخاص من أجل المحافظة على الوحدة الوطنية و تكريسها بشكل عقلاني يلتقي مع العاطفي و لذلك لا بد من: مواجهة مبرمجة و قادرة على التصدي لهذا الغزو المدمر و المحطم و الكارثي النتائج لانعكاسه على قيم و مثل و عادات و تقاليد و أخلاقيات الأفراد و بالتالي يؤدي إلى تدمير اللحمة و التماسك الاجتماعي من خلال القضاء على جميع الأسباب التي صهرت و شكلت مجتمعات موحدة متماسكة محافظة في نواحي و متجددة في نواح أخرى و كانت الأسرة هي الأساس أو اللبنة الرئيسية في قوة البنيان الذي أوصلنا إليه و هي نفس المؤسسة التي توجه إليها الأسهم لقصفها و تدميرها فوصلنا إلى أشباه أسر , فأصبحت المنازل فنادقاً للأفراد و مكمناً للأزمات المالية و الاقتصادية المتلاحقة و للنكبات الاجتماعية المتواصلة و أصبح احترام و رضا الوالدين موضة بائدة و الديمقراطية كما يسمونها و التي لا تبتعد عن اللا أخلاق أصبحت مبرر للكثير من التصرفات التي يؤديها الأولاد لوالديهم , و هنا كان بداية التصدع , و على الرغم من ذلك فإن ما أصاب جزء من البنيان غير صعب على العلاج من خلال سلسلة متكاملة من الإجراءات التي تتكامل و تتعاون في تنفيذها المؤسسات الرئيسية للتنشئة الاجتماعية
بحيث: – إعادة الاعتبار لمؤسسة الأسرة التي تشكل نواة بنية المجتمعات و الأساس لتكوين و تكريس العادات و التقاليد و القيم و الأخلاقيات الايجابية القادرة على مواجهة الغزو , و أن تكون ا|لأسرة المنطلق لتنظيم الاستهلاك بما تقتضيه الحاجات الأساسية و الضرورية لا أن ترزح تحت الديون من أجل اقتناء بعض الكماليات التي لا تحتاجها من اجل الظهور الاجتماعي و بالتالي لا بد من العودة إلى موازنة الأسرة للصرف الشهري بحيث تعتمد على عقلنة الصرف, كذلك إعطاء الوقت اللازم لمتابعة تربية الأولاد و ملاحظة تصرفاتهم و توجيههم بما يحافظ على التنشئة السليمة لهم – مؤسسات التعليم بمختلف مراحلها و كوادرها من خلال أساليب و قيم مهنية و مناهج قادرة على تعليم الانضباط بكافة أشكاله و إعادة الاعتبار للكثير من القيم و العادات التي أصبحت المؤسسات التعليمية مركز محوها و اندثارها , فالتعليم تربية و أخلاق و من ثم مناهج علمية . – أن يأخذ رجال الدين الدور الأساسي لتكريس القيم و الأخلاقيات و العادات الايجابية التي جاءت بها الديانات السماوية و أن قيمة الإنسان بأعماله و أخلاقة و ليست بأمواله و سلطاته, و أن تصبح الأماكن الدينية منابر للتآخي الإنساني و للعلاجات الاجتماعية بدلاً من الانخراط في مواضيع أخرى بعيدة عن الرسالة الأساسية . – و لوسائل الإعلام و الأدوات الثقافية بمختلف أنواعها دور كبير و هام و أساسي في التصدي إلى الدعاية المركزة و إلى الإبهار البصري التي تسعى من خلاله المراكز الامبريالية العالمية إلى استهلاك قيمنا و إلى سلب مواردنا و إلى تشجيع و تعميم الانحراف اللا أخلاقي البعيد عن مجتمعاتنا من خلال التركيز على إثارة الغرائز و تشويه القيم و الأخلاق التي نؤمن بها تحت عباءة الديمقراطية و حقوق الإنسان , و من خلال أفلام إباحية عبر الفضائيات أو المواقع الالكترونية و الصحف و تشويه الحقائق و القيم و تسطيح الفكر و عبر استئجار الكتاب و المخربين و دعم القواد و المسخفين التنويرين , و بالتالي هناك دور كبير ملقى على وسائل الإعلام المرئي و المسموع و المقروء و الالكتروني من خلال سياسة هادفة إلى دحض حملاتهم و تكريس قيمنا و أخلاقياتنا و عاداتنا و اصطفاء ما يمكن أن نستفيد من الغرب و من تقدمه العلمي بما يخدم مجتمعاتنا و بالتالي السعي لتكريس قيم العطاء و الوفاء و الرحمة و الاحترام و العطف و الإبداع و الابتكار و المبادرة بدلاً من الدعارة و الفردية و العنف و الوحدانية و الانتماء المالي و الجشع و الطمع و بالتالي تسليط الضوء على الأصالة التي يتمتع بها مجتمعنا في كافة المجالات و على الرجال و النساء الذين قدموا بسخاء , و على تكامل المجتمع الذي يعتمد على شيوخنا و رجالنا و شبابنا و نسائنا و أطفالنا و لكل دور يقوم به لا ينتهي ما دام هناك حياة و التذكير دائماً أن استهلاك الأشخاص من أخطر أنواع الاستهلاك و أن الإنسان بما يقدمه لمجتمعه و لوطنه , و أن التضحية هي من السمات التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه من كبرياء و صلابة فتحية للدماء الطاهرة و للعرق الكثيف و للجهود الجبارة التي حافظت على وحدة و كرامة و قوة و مناعة و صلابة بلداننا , و تحية لكل من يكون الوفاء دليله في تصرفاته ,و الوطن رهانه , و الإنسانية منارته . ” كلما ازدادت قرقعتهم و خرمشتهم و علا نباحهم فلنعرف أننا نسير على الطريق الصحيح ”

د . سنان علي ديب / عضو جمعية العلوم الاقتصادية /

الهوية الاقتصادية والنهج التنموي

الهوية الاقتصادية و النهج التنموي

كان الحديث و الجدال عن الهوية الاقتصادية قبل الأزمة المعقدة من باب التمني أو التنظير أو الحنين لتطبيق الأفكار و كان الجدال الأكبر بين مدرستي الإشتراكية ومضمونها الإنساني العائم و الرأسمالية و مضمونها المالي المغموس بعرق و دم الإنسان ولكن التطورات الاقتصادية العاليمة و التحولات البنيوية الكونية أدت لإنقلابات جذرية برؤى وآراء البعض ليتحولوا جذرياً من متشددي الشيوعية و الإشتراكية إلى منظري الليبرالية و التي ثبت أنهم لا يعرفوا معناها ومغزاها وكأن الجدال على هوية الاقتصاد السوري كان للأغلبية مبرمج وذو مدلول سياسي دعائي أكثر ما كان إيمان وغاية مطلبية وكأن من كان يرفع المظلة إن غيمت في موسكو أصبح يحمل المنديل إن عطست واشنطن ,أكيد الخلفية السياسية للخطابات ولو كانت اقتصادية كانت ملتصقة بالبنى الفكرية و بالمساعي الأمنية و التنموية وكأن التحالف الايديولوجي كفيل بتأمين الاحتياجات الاقتصادية للدولة و خاصة في المعسكر الإشتراكي و التي كانت تحصينات قطبيته للدول المنضوية لا تقتصر على المساهمة بالحماية الأمنية و العسكرية وإنما تجاوزته للحماية الاجتماعية عبر تطبيق النموذج الاقتصادي الإجتماعي الساعي للوصول لبنى إجتماعية غير متصادمة و شبه خالية من أمراض الفقر و البطالة و المديونية الخارجية و التبعية المعرقلة لأي تطور , ولكن نهاية الحرب الباردة و التحالفات الما ورائية لعالم يقدس المال و يحرر القيود لإنسايابه وفق آلية تفوقية واضحة للمعولمين الجدد قد أعطت الحرية للقواد الجدد لطمس أي رؤية اقتصادية أخرى ذات نتائج مقوية للهوية الوطنية و ذات بنى صلبة تحميها من الغزوات الدموية الارهابية من دول تتدعي محاربة الارهاب وكان ما كان بيوغسلافيا و العراق و ليبيا و الحرب القذرة على سورية وإن كان المدخل صراع بين هذه الرؤى و فرض تطبيق الرؤية ما بعد الليبرالية و تحطيم النتائج التنموية و كل ما نجم عنها من تنمية اقتصادية و اجتماعية و ثقافية وسياسية للوصول لدولة فاشلة محطمة , فحتى الالنفاف على إملاءاتهم و برامجهم ممنوع وعقوبته الاجتثاث التام و الأدوات و التضليلات جاهزة لعرقلة أي ممانعة اقتصادية و اجتماعية وحتى في ظل هذه الظروف التآمرية استمرت أصوات المنقلبين و المنظرين كأداة إعلامية أو كأبواق تنظيرية للمناداة بما أطرته القوى المعولمة لسيطرة رأس المال المركز من برامج هدفها تقويض العدالة الاجتماعية و الحرية المنضبطة و المساواة و تحرير البلد من قيود و ألغام التبعية و القروض التوريطية , و ليعود الجدال ما هي هوية الاقتصاد السوري بين قوى تتبنى الليبرالية كفكر أوتلقين و لكنها بعيدة عن الواقع ما قبل الأزمة و خلالها و ما بعدها, ما قبلها لأن ما كان يطبق كان عبارة عن نموذج للقلة تابع للمركز المتآمر على البلد بانت نتائجه فالليبرالية تعني الحرية بكل أنواعها ومنها الاقتصادية و بحاجة لبنى منضبطة وقوانين صارمة و لعلاقات اقتصادية معينة و هو ما لم يتوفر من خلال سياسات أدت لتصادمية بين الرأس المال ذاته و بين رأس المال و الحكومة وهو ما نجم عنه تصدع بنيوي و صراعات استثمرت فأي ليبرالية في ظل الاحتكار وأي احتكار, احتكار القلة , وخلال الأزمة و في ظل العقوبات و الحصارات ومن بديهيات إدارة الآزمات أن تصبح الحكومة هي الآمر العام لأي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو حتى ثقافية و سياسية وأن يكون هناك حكومة أزمة و أن الليبرالية أو نهجها هو استمرار القتل للبلد المأزوم وما بعد الأزمات و انعكاساتها بكافة النواحي وخاصة الاجتماعية تصبح البرامج أكثر خصوصية و تصبح هناك أولويات لعلاج و الإحاطة بالكثير من النتائج الاجتماعية نحو عدالة اجتماعية بما تحويه البلد من مقدرات وإمكانات تعيد جزء من اللحمة باتجاه التحصين الاجتماعي وترميم الجراح و هذا العنوان تسخر له كافة الجهود و الإمكانات و قد يحاول دعاة الليبرالية أو النيو ليبرالية الضغط على الدولة من أجل فرض نماذج تزيد الجرح و تعرقل أي تنمية قادمة مستغلة محدودية الإمكانات و الموارد في سعي لفرض أي نموذج اقتصادي يضاعف أرباحهم غير مهتمين بمنعكساتها على البلد و الشعب وكلنا يعلم ما جلبته هذه السياسات الرأسمالية بمعزل عن تناقضاتها وشموليتها الداخلية أي اتجاهها نحو رأس المال المركز و الشركات المعولمة المحتكرة لخدماتها عبر العالم بأكمله , فالرأسمالية تتنوع وتتعد أشكالها حسب اختلاف الأزمنة والدول والمؤسسات والثقافات، وكانت الرأسمالية فى الأساس تركز على الاقتصاد الحقيقى أى الإنتاج والخدمات ـ إلا أن الأنشطة المالية فى الثلاثين سنة الماضية، توسعت لدرجة أزاحت فيها الإنتاج الحقيقى من مركزه كمحرك رئيسى للتراكم الرأسمالي، تلك هى فترة النيوليبرالية التى أدت إلى توسع فى المضاربة المالية والثروة الورقية على حساب الاستثمار الحقيقى فى الأصول المنتجة، وجاء الانهيار المالى فى 2007/2008 وما تلاه من ركود اقتصادي، ليكشف عورات هذه الأيدلوجية، وفى هذا السياق نفسه استسهل قطاع الأعمال الحقيقى تحقيق أرباح سريعة، من خلال الاندماجات والاستحواذات وإعادة الهيكلة، بدلا من التركيز على الإنتاج والخدمات، وانتهى الأمر بهذا القطاع أيضا، إلى تراكم مستويات عالية من الديون، بالإضافة إلى ذلك أوجدت برامج الخصخصة والتحرير المالى فيما سمى «الأسواق الناشئة» فرصا جديدة لتوسيع قاعدة النمو المالى المصرفي. وبناء على ذلك كله لم يؤد انهيار قطاع التمويل العقارى فى الولايات المتحدة إلى تهديد بنوكها المحلية فقط، بل امتد هذا التهديد إلى البنوك والمؤسسات المالية الأخرى حول العالم، وبالذات فى أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، التى شاهدت من قبل ـ خلال فترة التحرر الليبرالى مجموعة من أزمات فقاعات المضاربة فى المكسيك 1994 وجنوب شرق آسيا 1977 وروسيا 1998 والأرجنتين 2001..إلخ.
أدت الليبرالية الجديدة إلى شكل جديد للاقتصاد الرأسمالى الدولى يتصف بعدة خصائص:
(1) اندماج على مستوى العالم وتفكك داخل الأوطان.
(2) علاقة معقدة بين الرأسمال الأجنبى والدولة القومية.
(3) نهج فى التقشف المالى وفتح الأسواق الوطنية.
(4) توزيع جديد للعمل الدولى تسيطر عليه الشركات عابرة القارات اللاعب الرئيسى والقوى فى العولمة النيوليبرالية.
(5) ضعف قدرة النقابات على حماية حقوق العاملين وإحداث التوازن فى قطاع العمل.
(6) تغير فى دور صندوق النقد ليصبح منذ الثمانينيات من القرن الماضى دولة فوقية تضع شروط الهوية والمسارات الاقتصادية للدول.
(7) انكماش دور وحجم وتأثير الطبقات الوسطى الأكثر تضررا من النهج النيوليبرالى فى دول الشمال بصفة خاصة، وقد انتقلت دول الجنوب فى هذا النمط الاقتصادى الجديد، وغابت فيها بالتالي العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وتشابكت مصالح النخب الجديدة لهذه الدول مع الدوائر العالمية للاستثمار والتجارة والمالية، وهكذا اختفت الدولة التنموية تحت ضغط الولايات المتحدة ومناصريها من دول ومؤسسات، واستبعدت استراتيجيات الاكتفاء الذاتي من الطعام بحجة الحصول على إيرادات من العملات الصعبة عن طريق تصدير الحاصلات الزراعية لتمويل النقص فى الغذاء، فالهدف الاستراتيجى هو «الدولة التنافسية» ـ منخفضة أجور العمالة ـ مقابل الدولة التنموية التى تقوم على التصنيع والخدمات ذات القيمة المضافة العالية، والتي تسعى إلى تحقيق الرفاهية لمعظم مواطنيها، ليست هذه هي الرأسمالية التى عرفها العالم في السابق، والتي أرست قواعد دولة الرفاهية في دول الشمال وليست هي أيضا هذا النموذج التنموي التي عرفته دول الجنوب بعد الاستقلال تحت مسمى رأسمالية الدولة.
وهكذا أتت نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة ـ والذي شاهد هيكلة الدول لمصلحة إعادة توزيع الدخل والثروة على الأغنياء ـ بأزمة كبرى أدت إلى اهتزاز أركان نموذج مجتمع السوق، مما دفع القيادات السياسية للدول الرأسمالية إلى التدخل السريع والكثيف بحزمات إنقاذ من الخزانة العامة، وعليه يمكن اعتبار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التى يمر بها عالم اليوم هي فى جوهرها أزمة الليبرالية الجديدة، والتي ما هى إلا مشروع لسيطرة طبقة على حساب التنمية الحقيقية للشعوب.
فأي ليبرالية وأي إنسانية في ظل نهج تسعى أدواته لتكريس الأموال و لو بقتل الإنسان و السعي لقتل أي نفس من برامج العدالة الإجتماعية كانت الأساس لبناء البلدان الوطنية المحصنة و القابلة للاستمرارية و للاستقلالية وأي نهج مقولب آخر , في هكذا ظروف يبقى الاختيار الأكثر فعالية ليس لنهج مقولب وإنما بنهج ينطلق من قراءة الواقع بكل تفاصيله و ووضع برنامج وفق أولويات ممكنة التحقيق سعياً للعودة إلى تقوية البلد عبر برامج وسياسات تسعى لتحقيق أقصى ما يمكن من العدالة الاجتماعية وصولاً لعودة اللحمة و تقويض الفساد و أدوات التأزيم ,النهج التنموي الذي يعتبر الإنسان غاية التنمية وأداتها هو الأكثر احتياجا عبر برامج واضحة تعتمد على التعاون بين كافة قطاعات البلد لإستثمار الموارد و الإمكانات المتاحة محلياً و جذب وعودة المهاجرين و الأموال المأمونة وهذا النهج لا يقتصر على التنمية الاقتصادية و إنما كافة أنواع التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية و التعليمية و هكذا فالمشاركة و التشاركية بين العام و الخاص في المجالات كافة ضروري للإنطاق بهذا النهج وفق برامج واضحة وقيادة حكومية صريحة هادفة لأكبر عدالة ممكنة في ظل قوانيين صارمة و في ظل دور مؤسساتي قوي و ضابط فارض للقوانين على الجميع في ظل تبني ونوايا حسنة ومراقبة ومتابعة ومحاسبة و مراجعة , وإن كانت الأزمة كبيرة و صعبة ومعقدة وضمن الإمكانات أديرت بأساليب مميزة تضمنت بعض الأخطاء وخاصة بالمجالات التنموية عبر أخطاء بشرية ومنها ما نسمعه من تصريحات مسؤولين ليست محتوية ومقدرة لمسؤوليتهم تتضمن استفزازات و عبارات غير مسؤولة مستهزئة بالمواطن و زائدة لإنعدام الثقة المتراكمة , فتبني نهج تنموي وفق مركزية الحكومة فيالتخطيط و التوجيه و غلإدارة وفق مفهوم تشاركي وطني حقيقي وهذا لا يتناقض مع ما طلب به من لا مركزية مضبوطة للمحافظات وإنما الغاية أن يكون الغاية الكبرى للبرامج الوطن و المواطن ولا تكتب وتفرض من الخارج أو أدوتهم الداخلية ..العدالة الاجتماعية هي العنوان و الحصن الحصين و النهج التنموي هو الطريق لها .
الدكتور سنان علي ديب / جمعية العلوم الاقتصادية //.